في التاسع عشر من تشرين الثاني العام 2018 قُبض عليه في اليابان، وفي الثامن من كانون الثاني العام 2020، أطلّ كارلوس غصن في بيروت. 400 يوم طافت فيها أسرار وعامت عشرات علامات الإستفهام، ما جعل الصحافة العالمية، من كلِّ الأعراق، تتلاقى في قاعة واحدة، في نقابة الصحافة في لبنان، بحثا عن حقيقة واحدة: كيف فرّ كارلوس غصن الى لبنان؟
هرجٌ ومرج وشتاء غزير ومئات الكاميرات والعيون الآسيوية اليابانية المدورة الصغيرة الباحثة عن جديدٍ وأسرار من رجلٍ سمّي ذات يوم "رجل أعمال آسيا".
مكتب كارلوس أبو جودة "هندس" الدعوات الى مؤتمر غصن الصحافي "الإستثنائي" ودوّن أسماء أوّل خمسين صحافيا سجلوا أسماءهم للدخول الى المؤتمر. رجال الأمن انتشروا في كلِّ التفاصيل، على السلالم وأمام أبواب المصعد وفي الزوايا، والعيون كانت "عشرة على عشرة" متجاوزة بالحجم والشكلِ والكمّ أمن غالبية رجالات "الصفّ الأوّل" في الدولة.

مستشارتان واحدة شقراء فرنسية وثانية يابانية، بشعرٍ أسود حالك، أدارتا كلّ التفاصيل. كارلوس غصن حريصٌ دائما على الإحتفاظ بطاقم عمله حتى بالأشخاص اليابانيين واليابانيات الذين طالما شاركوه تفاصيل 17 عاماً في "بلاد الشمس" اليابان.
اليابانيون بدوا مولجين بكلِ التفاصيل، بالمسموح والممنوع، وكأننا في ضاحية من ضواحي تايوان. برازيليون، إيطاليون، فرنسيون، أفارقة، آسيويون... وبعض لبنانيين... دخلوا الى قاعة المؤتمرات في نقابة الأطباء حيث ركزت شاشة كبيرة، وتتالت التكهنات: قد لا يأتي غصن وقد تُنقل كلمة له عبر الشاشة! قلة صدقوا والغالبية أيقنوا أن هكذا إجراءات أمنية دقيقة تؤكد حتمية مجيئه. مراسلون أجانب وصلوا للتوّ من مطار رفيق الحريري الدولي. ومستشارة غصن اليابانية تُسهّل أمرهم. ثمة صحافيون أتوا بدعوةٍ مباشرة من كارلوس غصن الذي غطى كل تكاليف إنتقالهم الى هنا. ستة يابانيين وصلوا للتوّ من فندق "ألبرغو"، القريب من منزل غصن في السوديكو، وهم يمكثون فيه منذ أسبوع. إختاروه خصيصا بسبب قربه من "الهدف" من منزل مَن لحقوه من اليابان.
كلابٌ بوليسية في الجوار. والترتيبات اتخذت بالكامل ووحده انقطاع التيار الكهربائي عن نقابة الصحافة في بيروت جعل عيون الصحافيين اليابانيين "تتدور" أكثر إستغرابا. نقيب الصحافة "ربّ البيت" جاء. نقيب المحررين جاء. رؤساء تحرير جاؤوا. شخصيات إعلامية كثيرة وصلت. ولدى وصول كارلوس غصن تجدد بعض الهرج والمرج وسُمح للمصورين بالتقاط الصوّر دقائق قليلة وابتدأ المؤتمر الصحافي المنتظر بكثير من "قلة الصبر"! والذي انتظروا منه الكثير لكن سرعان ما خيّب آمال الكثيرين حين قال غصن: "لست هنا لأتحدث عما حصل في اليابان بل لأقول لماذا غادرت اليابان"! كثيرون كانوا ينتظرون بعض التفاصيل، الإشارات، عن رحلة كارلوس غصن الجيمس بوندية!
كثيرة ٌهي المرات التي تكررت فيها كلمة "زوجتي" على لسان غصن. وبدا كم هو وقع زوجته الثانية كارول قوياً عليه. وكم تذمر من القضاء الياباني الذي منعه من رؤية زوجته وابتسم قائلا: "كثيرون يعتبرون رؤية زوجاتهم عقابا لكنهم يعرفون كم أحب زوجتي التي هي العمود الفقري في حياتي". حكى غصن كثيرا عن الضغوطات التي تعرض لها خلال التوقيف في سجن إنفرادي يتعارض مع القوانين والعدالة مردداً: "لم أهرب من وجه العدالة بل من اللاعدالة".

غصن أمام عويدات اليوم
أن يكون كارلوس غصن قد هرب من اللاعدالة الى لبنان لهو أمرٌ أثار دهشة الكثيرين ممن ما عادوا يثقون "بالقضاء اللبناني" أما هو فأكد وثوقه به في وقتٍ كانت هواتف الصحافيين المشاركين في المؤتمر تأتيهم بخبر عاجل: إستدعى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات رجل الأعمال كارلوس غصن الى جلسة تحقيق تعقد غدا (اليوم الخميس) للإستماع الى إفادته حول مضمون النشرة الحمراء الصادرة عن القضاء الياباني والتي تتهمه بارتكاب جرائم على الأراضي اليابانية وتطالب بتوقيفه، وتستمع أيضا الى إفادته حول دخوله بلاد العدو.
تحدث كارلوس غصن بإسهاب عن كل التفاصيل، كما يراها هو، والتي سيكررها اليوم أمام القاضي عويدات وكأنه ضرب، في موعده مع الإعلام قبل يوم واحد من القضاء، عصفورين بحجر واحد.
سُئل من الصحافة عن دخوله إسرائيل وعما إذا كان يعتذر فقال: لم أسافر الى إسرائيل كمواطن لبناني بل كفرنسي، كمدير عام رينو الفرنسية، وقّعت "الكونترا" وعدت أدراجي" وتساءل عن من له مصلحة اليوم بالذات لإعادة تحريك الموضوع.
حكى عن حقوقه هو وعن حبه لليابان والشعب الياباني واستغرب أن يتم التركيز على الإنتهاكات التي قيل أنه هو من قام بها متسائلا: "لماذا لا يتحدثون عن الإنتهاكات التي قام بها القضاء الياباني". وحكى عن التهمة التي ألصقت به حول "قصر فرساي" وردّ عن تهمٍ أخرى كثيرة. كان المكوك في الأخذ والعطاء. يصغي بدقة الى السؤال ويجيب باحتراف على الأسئلة، بلغات خمس أو ست، ويحك في رأسه، في شعره الذي بدا أكثر شيبا، في كلِ مرة كان يشعر فيها أنه مضطر أن يفكر بعمق ويجيب بعمق.

نظر غصن الى ساعة يده كثيراً. ولم يجب مباشرة حين سُئل عما إذا كان قد قابل رئيس الجمهورية قائلا ما معناه: إسألوه. ونفى أن يكون في لبنان في خطر. أما ردّه حول الكلام عن مشاركته المحتملة في الحكومة المقبلة فكان: "لست برجلٍ سياسي ولا طموحات سياسية لديّ لكن إذا طلب مني فمستعد لأن أضع خبرتي في لبنان".
وحول سبب إختياره لبنان ملجأ أجاب: أنا لبناني فرنسي برازيلي وثلاثتهم لا يسلمون مواطنيهم لكني اخترت لبنان "لوجستيا".
كلام كثير قاله البارحة كارلوس غصن من دون أن يقول ما انتظره كثيرون: كيف وصل ساموراي اليابان الى لبنان؟