أسعد بشارة

الكنيسة والفراغ: طفح الكيل

15 تشرين الثاني 2022

02 : 00

بين أوهام الحوار الثنائي الإستيعابي، الذي لم تذهب الكنيسة إلى حد تصديق أن «حزب الله» مؤمن به، أو يريد الوصول به إلى نتائج، وبين الحقائق الساطعة لسلوك «الحزب» الذي يريد احتكار الرئاسة وحق اختيار الرئيس، خطا البطريرك الماروني بشارة الراعي خطوة إلى الأمام لنقل النقاش من الإطار الوطني العقيم إلى الفضاء الدولي الرحب، لعلّ ذلك يؤدي إلى تحريك الإنتخابات الرئاسية بعدما أقفل «حزب الله» كعادته أبواب مجلس النواب، فارضاً شرط انتخاب رئيس يختاره بنفسه، مجبراً الجميع على الموافقة عليه، وهو ما لن تقبله بكركي ولو أتى بشكل مغاير لانتخاب الرئيس السابق ميشال عون ببندقية المقاومة.

إنّها اذاً «بندقية المقاومة» نفسها، التي أفصح عنها النائب السابق نواف الموسوي بصراحة، في لحظة انفعال في مجلس النواب، هي نفسها التي تحدث عنها الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي وضع على الطاولة معادلة نواف الموسوي ذاتها، لكن بأسلوب لا يختلف إلّا من حيث تنميق الكلام. اذ ما الفرق بين ما قاله نواف الموسوي بأنّ بندقية المقاومة هي التي أتت بالرئيس ميشال عون، وبين ما قاله نصرالله إنّ المطلوب انتخاب رئيس لا يطعن المقاومة. الفرق هزيل جداً والنتيجة واحدة وهي أنّ «حزب الله» صاحب القرار الحصري بتحديد هوية من سيجلس على كرسي الرئاسة، وهذا ما أثار حفيظة الكنيسة التي باتت تشاهد بحزن هذا التراجع المخيف لفكرة الدولة أمام سطوة الدويلة، فكان أن طرح البطريرك الراعي اللجوء إلى طلب عقد مؤتمر دولي، بعدما استنفدت كلّ الوسائل في الداخل لاستعادة الحد الأدنى من القدرة على انتاج قرار وطني بمعزل عن وصاية السلاح.

لم يصدق أحد ما قاله أحد الزملاء الاعلاميين أمس أن الحوار قائم بين الكنيسة و»حزب الله»، وأنّ وثيقة ستوقّع بين الطرفين. هذا الحوار لا يمكن أن يكون بمستوى أقلّ من توجّه وفد رفيع من «الحزب» يحمل التزاماً واضحاً، بصدق النيّة لحوار تحت سقف الدولة والدستور. هذا الحوار لا يمكن أن يتم على مستوى رئيس بلدية أو مرسال شارد من هنا أو هناك، وإلّا فهو ليس حواراً ولا هو حتى تبادل أفكار.

طالما عرفت الكنيسة أن تستوعب محاولات تدجين مواقفها الوطنية، ونجحت، وما الطرح الذي أعلنه البطريرك الراعي، الداعي إلى عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان إلّا نتيجة لاستنفاد كلّ محاولات الوصول إلى تسوية داخلية. الكنيسة تقول بهذه الدعوة إنّ كلّ نتائج العملية السياسية وما أفرزته الانتخابات، لم يعد ذا جدوى، فالتعطيل يتسلّح بالسلاح غير الشرعي، والمعطّل أعلن عن هويته من دون التباس، وهو يريد السيطرة على مواقع الدولة من أعلى رأس الهرم إلى أدناه، فلا يكتفي بالإمساك بقفل المجلس النيابي، وبكرسي السراي الحكومي، بل يريد أن يُتوّج هذه السيطرة بالإمساك بكرسي بعبدا التي مكّنه منها الرئيس ميشال عون فاستطاب السيطرة على الرئاسة والرئيس.

لم يعد الأمر مقبولاً بالنسبة للكنيسة، فهذا القضم مرفوض، والإختباء خلف أشباح الحوار الموهوم، بات مكشوفاً، ولهذا ينتظر أن يصعّد البطريرك الراعي في رسائله القريبة إلى اللبنانيين وإلى الرأي العام العربي والدولي. لبنان بالنسبة للكنيسة بات وطناً مخطوفاً، وهذا ما سيستدعي الخروج إلى الفضاء الدولي.