شربل داغر

أدونيس بين البحث والإلهام

دقيقتان للقراءة

لم يكن ادونيس يحتاج الى تكريم الجامعة الانطونية كي نتأكد من أنه "اسم علم" (حسب العنوان الجامع للمكرمين سنة بعد سنة). فهو اسم علم في عالم العربية منذ نيف وخمسين سنة على الاقل، حتى إن اسمه العائلي اسم مغمور، ما كان يعرفه كثر، مثلنا، نحن طلبة شعبة العربية، لما وجدنا اسم استاذنا الجديد: علي احمد سعيد اسبر.


اختار اسمه الفني منذ سنوات بعيدة، على انه طلب التجدد الدائم مثل اسطورة الإله الفينيقي. الا ان هذا التجدد حمل، منذ اطروحته الجامعية، موقفاً ثنائياً، بل تبسيطياً للفكر العربي القديم. هذا ما جعل د. عبد الله عبد الدائم يقول، عند مناقشة أطروحته (التي صدرت في كتاب بعد وقت "الثابت والمتحول...") في العام 1973: "لقد رسم منهج الاطروحة خطاً فاصلاً بين الثابت والمتحول، جاعلاً الثابت، في جهة، والمتحول، في الجهة الثانية، فلا يلتقيان... فهو ينطلق من هواجس نقدية، لكنه لا يشتغل كفاية على بناء منهجه، ما يجعل البحث رهين مواقف مسبقة، غير مدققة بالضرورة، وقد تنقل في ثناياها، متبقيات ثقافة تقليدية، وربما ... مذهبية ايضا".


استوقفني، في كلمة التكريم، انه شكر العديد من طلبته، في كليتنا، وأظهر كونهم يتصدرون في المشهد الثقافي. وهو تذكرٌ وتكريمٌ لمن هم أوسع من جيل، بقاماتهم الادبية المختلفة، الا ان هذين (التذكر والتكريم) لم يخفيا امراً طالما استوقفني عند ادونيس، وهو انه قلّما يذكر اسماء في مقالاته او بحوثه. كما لو ان كلمته تشهد على نفسها بنفسها، وهو ما يكفيها دلالة ومعنى وقيمة.


غير ان هذا الإغفال يبدو اقوى في بحوث ادونيس، إذ قلّما يذكر باحثاً او كاتباً من معاصريه. هذا ما يجعل من كل بحث محلّ فحص بالضرورة، ولا سيما فحص ارتكازه على مدوّنة سليمة... وهو فحصٌ يطاول كذلك منهجه في أي بحث، اذ لا يعرض المنهح ابداً، ولا يسوّغه.
وهذا يطاول دارسيه ايضاً، اذ لا يتناولون هذا الجانب في كتاباتهم عنه: يُقبلون على كلامه ويستعيدونه من دون فحص او مساءلة لمرتكزاته.
كلام نقدي يقر، بل ينطلق، من وهج الاسم العلم، ويغفل الاشتغال على ارتكازات خطابه المنهجية والتحليلية.
ملاحظة اخيرة: استوقفتني العناية الاخيرة بأدونيس في بيروت، في السنة المنصرمة، فيما يتراجع تأثيره في الثقافة اللبنانية، شعراً ونقداً.