القاضي محمد وسام المرتضى

رشيد بيضون

24 تشرين الثاني 2022

02 : 00

من الناس مَن يقتحمون التَّاريخ ليسكنوا فيه بعدما يكونون قد صنعوا أحداثه وأرَّخوا لوقائعه ودوّنوا بمداد نضالاتهم كلَّ آفاقه ورؤاه وأمجاده .

ولأنَّ التاريخ شاهدٌ حيٌّ، يبقى واجباً على كل جيل، استحضارُ أحداثه وناسِه إلى دائرة الحضور اليومي، لئلا يدخلَ المجتمعُ في عتمةِ نسيانِ القامات الكبيرة. هذا يقتضينا في لبنان أن نتذكر الشخصيات والأسماءَ العريقةَ التي كان لها أبعد الأثر في تدوين تاريخ الوطن وصناعة استقلاله والعمل من أجل دحرِ جيوش ظلام الجهل والتخلُّف والإقطاع والهيمنة. من هذه الأسماء العريقة يبرز اسمُ الراحل الاستقلالي الكبير رشيد بيضون الذي تكاد ذاكـــرة تاريخ لبنان الحديث - لا سيَّما ذاكرة استقلاله - تنساه، فلا تضعه في قائمة منْ نذروا حياتهم ليكون لنا وطنٌ حرٌّ، له علمه الخاصُّ الذي لا يزال يحملُ توقيعَ رشيد بيضون المتربِّعَ على القُماشِ معْلَماً وأثراً وقلعةً وحصناً كمثلِ قلاع جبل عامل وكلِّ لبنان.

في ذكرى الإستقلال نحتاج إلى العودةِ لدوحةِ رشيد بيضون، أحد رجالات الاستقلال المنسيين النَّائب والوزير ومؤسس حزب الطلائع والطَّامح إلى نشر العلم والمعرفة في مواجهة الإقطاعية التي كانت تشكل حجر الزاوية في بناء السلطة اللبنانية آنذاك. فاعترضت على أعماله التي سعى من خلالها إلى تأمين الحياة الكريمة لشعبٍ أبى أن يخضع للاحتلال والانتداب والاستعمار والجهل والفقر والاحتكار ومصادرة القرار، فإذا برشيد بيضون، الذي شاءت الإرادة الإلهيَّة أن لا يُـرزقَ بأطفالٍ، ينذر حياته وسمعته ويعمل على إخراج كل أطفال بيروت الفقراء من شوارعها ساعياً إلى تأمينِ أسمى حقٍّ لهم على بلادهم ودولتهم وهو حقُّ العلم والتعلُّم، فشكَّلت مبادرته المتمثلة «باختطاف كل أطفال شوارع بيروت ليرسلهم إلى المدارس حيث يجب أن يكونوا» انتفاضة غريبة من نوعها على نظام إقطاعي سائد كان يقدّم حاجات الإقطاعيين ومصالحهم على مصير سائر فئات الشعب، من منطلق أن «البيك» يتعلم لأجل بقية شعبه. أراد رشيد بيضون لهذا المنطق أن يتهاوى ويسقط عند أعتاب طلب العلم الذي جعله الله تعالى فريضة واجبة على كلِّ إنسانٍ مستهدياً الحديث الشريف «إنَّ الملائكة لتفرشُ أجنحتها لطالب العلم» وهو ما دفعه وحفَّزه على السعي الحثيث لتحقيق حلمه وأمله وطموحه بتأسيس الكلية العاملية عام 1923، ثم تلاها افتتاح اربع واربعين مدرسة في الجنوب والبقاع وجبل لبنان. ثمَّ أنشأ مع عدد من أبناء بيروت والجنوب الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية للاهتمام بالفقراء والمحتاجين والمستضعفين والكلية العاملية لتوفير فرص تعليم للفقراء والكادحين واليتامى. هذه الكلية ، التي لا تزالُ قائمة حتى اليوم، شاهدةً على عظيم ما حملته روح هذا الثائر المنتفض على الإنتداب والإقطاع والهيمنة والإستعلاء والتمييز الطبقي حتى في مجالات التعليم والخدمات الإنسانية والإجتماعية ولعلَّ من جميل ما قاله المؤسس رشيد بيضون عن الكليَّة العاملية: «إن الغاية التي من أجلها أنشئت الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية هي نشر الثقافة في الربوع اللبنانية ومحاربة الجهل محاربة شديدة من أجل تكوين جيل جديد يتفهم معنى الحياة ومعنى الحرية. وما الكلية العاملية وفروعها سوى الأداة لتحقيق هذه الأهداف والمساهمة في بناء مجتمع صالح يعمل لخير الأمة العربية والوطن اللبناني».

أمام كل هذه الإنجازات يصبح من الطبيعي أن يتبوَّأَ رشيد بيضون المناصب الوزارية والنيابية، وأن يحوز أوسمة عدة منها: وسام الاستحقاق اللبناني الذهبي، ووسام التربية الوطنية من الدرجة الأولى، ووسام النضال الوطني، ووسام جوقة الأرز من رتبة ضابط، ووسام محبة الناسِ الذين لقبوه «بصاحب المسيرة الداعمة للتعليم والتنوير والعدالة الإجتماعية وبالرجل المستنير على قلة العلم».

إنَّ واجبَ الوفاء لقامةٍ عظيمةٍ من بلادي نظير الراحل رشيد بيضون النائب والوزير والإنسان وخادم النَّاس والعلم والمعرفة والثقافة يحتِّم علينا وعلى الأجيال القادمة أن ندرك ونعيَ منزلة هؤلاء المؤسسين لكيانِ وطنٍ حاولوا أن يكون على قدرِ آمالهم وطموحاتهم وإنجازاتهم.

في يوم الإستقلال تحيَّة إكبار وإجلال وافتخار لرجل الإستقلال اللبناني رشيد يوسف بيضون.

(*) وزير الثقافة


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.