سناء الجاك

العنفوان والكرامة... ورشّة ملح

3 دقائق للقراءة

تعهّد فيصل كرامي بالعمل على استعادة «الكرامة والعنفوان» لطرابلس وأهلها مع عودته إلى رحاب البرلمان، وذلك بموجب قرار من المجلس الدستوري بعد إبطال نيابة رامي فنج.

تعهّد كرامي هذا هو قمة الذكاء... ففي زمن الإفلاس والجوع والعتمة، لا تعويض أفضل من «الكرامة والعنفوان». وكلوا واشربوا يا «أهلنا في طرابلس» الفيحاء من هذا التعويض الفضفاض مع رشّة ملح حتى تستسيغوا الوهم.

ورشة الملح هذه قد تأتي من فريق الممانعة على شكل مساعدات عينية توزع على المحاسيب، ولا بأس بحفنة من الدولارات الطازجة للمحظيين. أو شيء من هذا القبيل، كما جرت العادة. إذ إنّ إعادة فيصل كرامي إلى الندوة البرلمانية يرفع منسوب الاستقواء للحاكم بأمر المحور الإيراني في لبنان.

ولا يخفى على أحد أنّ معنويات هذا الفريق ستبرق وترعد في الخطابات الرنانة، أيضاً كما جرت العادة، لاعتباره أنّ ما قرره المجلس الدستوري ليس تفصيلاً بسيطاً، فهو كفيل بقلب الموازين، وهو يمنحه إضافة نوعية تعزز مسيرته مع حليف لا يطعن المقاومة «ضد اللبنانيين بالطبع وليس ضد أيّ عدو آخر»، في ظهرها ولا يبيعها، أيّ حليف من قماشة الرئيس غير المأسوف على عهده، ميشال عون، الذي أمّن لهذه المقاومة ظهرها وكان شجاعاً لا يباع ولا يشترى. إلّا بما يلائم الجوع العتيق للصهر العزيز إلى السلطة والنفوذ والمحاصصة، و»لعيونه» كما تقول لوحة إعلانية فاقعة عند دخل مدينة البترون.

فهذه القماشة تحديداً، هي ما يحبّذها «حزب الله» في قيادته لمن يعملون تحت إمرته من أحزاب وقوى سياسية تشكّل منظومته الحافظة ظهره والحافظة دورها، ومهما حارت ودارت تعود في نهاية الأمر إلى بيت الطاعة.

أمّا «أهلنا في طرابلس» المنكوبة بزعامات لا تلتفت إلى واقعهم المعيشي المضروب حتى النخاع، فمعذورون إذا لم يتوقفوا كما يليق عند الحدث العظيم بإعادة أفنديهم إلى مجلس النواب.

والسبب ليس في تعارض مفهومهم عن «الكرامة والعنفوان» مع المفهوم الممانع الذي يستغل هذه العبارة ليبرر القتل التدريجي والممنهج لكل ما في البلد من مؤسسات ومقومات كفيلة بإنتاج دولة. حاشا وكلا.

فهم أيضاً اشتاقوا وكثيراً إلى «الكرامة والعنفوان»، لا سيما عندما يُرغم أطفالهم القاصرون على النزول إلى سوق العمل ليعيلوا أسرهم، ويتعرضون إلى ألوان من الانتهاكات الذي تنسف طفولتهم وتقضي على مستقبلهم. واشتاقوا أكثر إلى الأمان المفقود حتى في مدارس تنهار على رؤوس فلذات أكبادهم فترديهم، ولا من يحاسب أو يعاقب.

«أهلنا في طرابلس» توّاقون إلى مقومات تصنع «الكرامة والعنفوان» وليس إلى شعارات ومفردات لا علاقة لها بالواقع العملي الكفيل بتحسين ظروفهم ورفع الضيم عنهم، وعدم دفع شبابهم إلى التطرف أو رمي أنفسهم في البحر بحثاً عن هجرة غير شرعية كسبيل وحيد للإفلات مما هم فيه.

وبالتأكيد لا يهمّهم كثيراً أو حتى قليلاً عودة «الأفندي»، التي تضيف هدفاً يحسبه «حزب الله» في مرمى مصادرته سيادة لبنان، ليسيطر أكثر فأكثر ويواصل فرض من يريد وما يريد.

بالتالي، لن ينتظر «أهلنا في طرابلس» المن والسلوى من عودة «أفنديهم» إلى الندوة البرلمانية. فهو كان هناك ولم يتغيّر واقعهم، وهو حظي بلقب معالي الوزير مع تنازل من «الثنائي الشيعي» عن بعض حصتهم لصالحه، وهو شكّل حلقة من حلقات التعطيل في الحكومة الأولى لسعد الحريري بعد دخولنا التاريخي إلى «جهنم» العهد القوي من خلال تشكيل كتلة مضاربة له على يد «الحزب الإلهي».

ومع هذا، ها هو يعد «أهلنا في طرابلس» بإعادة «الكرامة والعنفوان» إليهم. والخوف كلّ الخوف أن ينسى رشة الملح... والأرجح أنّه سينسى!!