نجيب جورج عوض

أردوغان وتجديد الأدوار الإقليمية

29 تشرين الثاني 2022

02 : 00

كرَّر الرئيس التركي مؤخراً أنه مستعد للتطبيع مع نظام الأسد ولإعادة العلاقات مع دمشق. وقد برر هذا بأنه لا ثوابت في السياسة ولا عداوات دائمة. وقد بدأت منابر النظام التركي المختلفة تمهِّد لعملية التصالح والالتفاف البنيوي وتهيئ الرأيين العامين التركي والعالمي لها. وقد بدأ الطرفان أصلاً باجتماعات متكررة على المستوى الأمني والعسكري لتهيئة بنود اتفاق وتفاهمٍ شامل ينطلق من الجانب العسكري وينتهي بالسياسي. هذا لا شك تغيير سياسي واستراتيجي عميق وستكون له تداعيات تخبرنا كثيراً عما ستؤول إليه التوازنات في المنطقة خلال العام القادم. السؤال هنا: ما الذي دفع النظام التركي لهذا التغيير البنيوي ولماذا في هذا التوقيت؟

علينا أولاً أن ننتبه أن أردوغان يتهيأ لخوض معركة انتخابات رئاسية في ربيع العام القادم. وهو يدخل تلك الانتخابات في ظل ضغوطات شعبية متنامية ضده بسبب سياساته الاقتصادية والمالية المتردية وبسبب عداواته الشاملة مع جميع الدول المحيطة بتركيا في الإقليم وفي شرق البحر الأبيض المتوسط. ولهذا، ورغبةً في تقديم أوراق تجديد دوره أمام صنَّاع القرار وملاَّك الشرق الأوسط، فقد قام بالتصالح مع إسرائيل ومن ثم حاول أن يلعب دوراً توفيقياً ما بين روسيا وأوكرانياً لإرضاء الأوروبي ولتبيان أهمية دور تركيا كنقطة عبور للغذاء والطاقة من أوكرانيا تجاه العالم. كما وجه أنظاره نحو العالم العربي، فتقارب مع الإمارات والسعودية وقرَّر تحجيم دور الإخوان المسلمين وتقييد يدهم. وها هو يمد يده للمصالحة مع مصر، الأمر الذي سيعني تنسيقه معها لتقاسم إدارة الملف الليبي. كل هذا كي يعيد أردوغان تبييض صفحته وتنشيط شعبيته أمام صنَّاع القرار الدوليين ليبقى في سدة السلطة في تركيا للسنوات القليلة القادمة على الأقل.

إنَّ هذه المعطيات الداخلية ما هي إلا النصف الأول من معادلة إرهاصات وتفاصيل المشهد الجيوسياسي العام في المنطقة. النصف الثاني الذي يشرح لنا انعطافة أردوغان تجاه سوريا ومصر لها أيضاً أسباب تعود للمتغيرات الكبيرة التي تمر بها المنطقة مؤخراً. منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، انخرطت روسيا بكل قوتها في وحول التعقيدات الجيوسياسية والأدوار الروسية في البلقان والشرق الأوسط. هناك مؤشرات كثيرة تفيد بأنَّ روسيا تزمع على مغادرة المشهد السوري عسكرياً وربما إدارياً أيضاً. في عام 2015، دخلت روسيا إلى المشهد السوري وأمسكت ملف إدارته لوحدها وبتفويض رسمي أميركي - إسرائيلي وعربي - خليجي وقبول إيراني وتركي.

قام الروسي بإدارة الشأن السوري بشكلٍ مباشرٍ ويومي لدرجة أنَّه جوَّف النظام السوري ونقل كرسي الرئاسة السورية إلى موسكو. كان هذا الدور مطلوباً للجم التأثير والحضور الإيراني الذي بلغ ذروته وقتها في المشهد السوري وعبّر عن نفسه عسكرياً وإثنياً واقتصادياً وسياسياً ولوجستياً وإدارياً بل وديموغرافياً أيضاً. دخلت روسيا المشهد كعامل توازن مهمته ضمان أمن إسرائيل ومصالح حلفاء أميركا في المشهد السوري وإرضاء تركيا بالتفاهم معها على إدارة الشمال السوري، وبإرضاء العرب ودول الخليج من خلال محاولة رعاية الوجود السني والحفاظ على مصالحه وعلى توازن حضوره في المشهد السوري المُتفَرسن والمُتشيِّع بشكلٍ حثيث.

لعب الروسي هذا الدور في سوريا حتى اندلاع الخلاف مع الأميركي حول المصالح الروسية وحدودها في ضوء اقتراب إدارة بايدن (أوباما) الأميركية من الاتفاق مع إيران وإطلاق يدها مجدداً بشكلٍ كلي في العالم العربي وشرق المتوسط. قاد هذا الخلاف وقتها إلى تعليق مفاوضات الاتفاق النووي وأدخل روسيا وأميركا في كباش دموي على الأرض الأوكرانية. بات الروسي غير مستعدٍ أبداً للعب الدور الذي طلب منه أن يلعبه في سوريا منذ عام 2015، فهو لا يعتقد أنه ينال أي مقابل أو مكسبٍ له من هذا الدور.

وعليه، فإنَّ خروج الروسي من المشهد السوري يعني أن هناك حاجة ماسَّة لإيجاد لاعبٍ آخر يتمُّ تفويضه بإدارة ملف ضمان التوازن وقواعد اللعبة. من سيقوم بملء هذا الفراغ؟ من الأفضل أن يكون البديل عربياً طبعاً. عبَّر السعوديون عن عدم رغبتهم بالانخراط في الملفات السورية واللبنانية وسواها في الوقت الحالي مركزين على بناء علاقاتٍ ودورٍ دولي وشبكات علاقات مع حلفاء جدد، مثل الروسي والصيني وشرق آسيا.

لهذا، راحت دولة الإمارات العربية المتحدة تتولى عملية الدخول إلى المشهد السوري من باب الاقتصاد والتنمية ومساعدة سوريا على إعادة الإعمار. ولكن دور الإمارات لا يتجاوز تلك العوامل. هناك حاجة لحضور آخر له تأثير عسكري وأمني إسلامي سني قوي يمكنه أن يوازن الحضور الشيعي الإيراني المتسلل بسرعة إلى بنية سوريا. وأفضل لاعبٍ يمكنه أن يحقق هذا التوازن هو التركي ذو الحضور الإسلامي السني النافذ والمؤثر في المنطقة.

إن قررت مطابخ صناعة القرار التمديد لرئاسة رجب طيب أردوغان وإعادة تأهيل دوره، ستدخل تركيا إلى المشهد السوري بغطاء وضوء أخضر روسي وعربي - خليجي وبدعم إسرائيلي - أميركي. بل إن الإيراني لن يمانع (وإن كان لا يرغب) بوجود التركي، فهو يحافظ على علاقة تواصل لم تنقطع مع تركيا. أما الثمن الذي سيدفعه أردوغان للنظام السوري مقابل هذا، فهو إعادة أراضي الشمال السوري إلى إدارة النظام في دمشق.

وقد بدأ أردوغان هذه العملية بإطلاق قواته العسكرية ضد قوات «قسد» في الشمال السوري كي يدفعها لتسليم إدارة وحماية مناطق وجودها لقوات النظام. وهو سيقوم لاحقاً بتنسيق إعادة إدلب ولواحقها إلى كنف النظام وسيكون ممثلاً للصوت العربي والسني على طاولة إدارة ملف سوريا في المستقبل.

هل يعني هذا أن تركيا قد تنال إذناً بلعب أدوار أخرى في بلدان عربية مجاورة؟ إن نجح التركي في سوريا، فلن تمانع الدول المقررة لمصير المنطقة من أن يلعب دوراً أيضاً في لبنان، خاصة أنَّ السعودية قالتها مراراً إنها غير متفرّغة حالياً في استراتيجيتها الجيوسياسية للخوض في تفاصيل المشهد اللبناني. ستكون تركيا عندها هي المعادل السني للحضور الشيعي الإيراني.

قد يُسر الكثير من السوريين والعرب من خروج روسيا من المشهد السوري ودخول التركي بديلاً عنه إليه. ولكن، في اللعبة الجيوسياسية، علينا أن نراقب لنرى آلية إدارة اللاعب الجديد للملف الذي يديره وطبيعة شبكة العلاقات المتبادلة التي سينسجها في سياق المشهد المذكور.

(*) باحث وأكاديمي سوري معارض، متخصص في الفلسفة والعلوم الإنسانية