رفيق خوري

السقوط العملي لشرعية السلطة

15 كانون الثاني 2020

01 : 59

قمة البؤس السياسي هي اللعب بأزمة مفتوحة في هاوية البؤس المالي والإقتصادي والإجتماعي. والتحذيرات مكتوبة على الجدار: ثمن الأزمة المفتوحة في الوضع المأسوي الحالي هو رأس لبنان. لكن اللاعبين يتصرفون كأن الخطر ليس الإنهيار في لبنان بل التخلي عن حروبهم الصغيرة في الحرب الكبيرة وخسارة شيء من المواقع والإمتيازات والأرباح السلطوية. وإذا استعرنا تعبير "محور السوس" الذي اعتبره والتر راسل ميد أكبر خطر داخلي على النظام الأميركي، فإن المحور الأقوى والأخطر في لبنان هو "محور السوس". المحور الذي أكل الدولة وجعلها هيكلاً منحوراً من دون أن يتوقف عن الأكل وأن يعترف بالمسؤولية عن أي شيء.

غير أن استمرار التلاعب بشؤون الناس وحياتها، بدل حسن إدارتها، بات خطراً حتى على اللاعبين. وإذا كان الدستور ينص على أنه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، فإن الواقع يؤكد أنه لا شرعية لأي سلطة تضرب قدرة الناس على العيش العادي. ومن الصعب الهرب من مواجهة السقوط العملي لشرعية السلطة بقوة ثلاثة عوامل.

الأوّل أن أساس أي شرعية هو قبول المواطنين الحر، كما أن "الديموقراطية تعتمد على قبول الخاسرين" حسب آن ابليوم في مجلة "اتلانتيك". والشعب نزل إلى الشارع ولا يزال منذ نحو ثلاثة أشهر رافضاً هذه السلطة تحت شعار: "كلن يعني كلن".

والثاني أن الفشل في تأليف حكومة يلغي شرعية النواب ويدفع إلى إجراء انتخابات مبكرة جديدة لإعادة تكوين السلطة، كما حدث في اسبانيا واليونان واسرائيل وبلدان أخرى. ونحن ننتقل منذ الإنتخابات وقانونها الهجين من حكومة فاشلة إلى الفشل في تأليف حكومة جديدة حتى من لون واحد بسبب الخلافات بين "الحلفاء".

والثالث أن السياسات المتراكمة من سنين لأهل السلطة القدماء والجدد، وكلهم يمين بين ليبرالي ومحافظ، قادت لبنان إلى أخطر أزمة في تاريخه: إقتصاد "كازينو" لمصلحة النافذين، مصارف تحبس أموال المودعين، دين عام بأرقام فلكية من دون تحسين البنية التحتيّة. جوع حقيقي. لا كهرباء، لا ماء، لا مازوت، لا فرص عمل للشباب. مؤسسات تفلس. مستشفيات لا تستطيع تأمين المستلزمات الطبية. تسريح موظفين وعمال. طرق محفّرة. وأكاذيب وشراهة بلا حدود حيال السلطة وما بقي من المال. والآتي أعظم، بحيث يبدو "جحيم" دانتي أرحم.

كان القديس أوغسطينوس يقول: "دولة تدار بلا عدالة تصبح عصابة شذاذ". فكيف حين نصبح بلا دولة أصلاً؟ وكيف إذا كانت عصابة الفاشلين تمارس على الناس كل أشكال الغطرسة؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.