ليلة 3 كانون الأول من كلّ عام، تُطرق الأبواب، وعلى وقع أغنية "هاشلة بربارة"، تدخل مجموعات متنكّرة بأزياء مُضحكةٍ وغريبةٍ. في الداخل، تفوح رائحة القمح المسلوق المحلّى وهو يغلي داخل طنجرةٍ حديديّةٍ، وتفترش قطايف القشطة والجوز والعوّيمات والمعكرون والمشبّك طاولةً صغيرة. الليمون الأفندي ينتظر في السلّة، كما السكاكر بكلّ شكلٍ ولونٍ، إلى حين انتهاء أهل البيت من التكهّن ومحاولة كشف هويّة الأشخاص المتنكّرين.
هكذا اعتدنا، وهكذا كبرنا على ذكرياتٍ بسيطةٍ تُزيّن ليلة "عيد البربارة"، هذا التقليد المسيحي الجميل الذي ينتظره الكبار والصغار عاماً بعد عام.

على مشارف الليلة الشهيرة والعيد المُنتظر، زارت "نداء الوطن" مشغل سهيل قزّي، المكان اللبناني الوحيد الذي شهد ولادة ونحْت وتصنيع أقنعة "البربارة" منذ العام 1970. ورغم استقبال قزّي الحارّ، إلّا أنّ المشغل فقدَ دفئه وألوانه وتحوّل إلى مستودعٍ بالأبيض والأسود، يكسوه الغبار وتلفظ زواياه الأنفاس الأخيرة.
سهيل الذي وُلد بموهبة نحتٍ فريدةٍ، وأُغرم بتفاصيل عيد "البربارة" يوم كانت الأقنعة من الكرتون، قرّر أن يكون في سبعينات القرن الماضي، أوّل لبنانيّ يفتتح مشغله الصغير للأقنعة. فقَبله، كانت الأقنعة تُستورد من الصين وأوروبا، إلا أن سهيل درس عملية تصنيعها واستقدم آلتها والعدّة اللازمة وانطلق.
أخبرنا أنه في سنواتٍ لم يتوفّر خلالها الإنترنت ولا محرّك بحث "غوغل" ولا فيديوات "يوتيوب"، كان يجلس أمام التلفاز "منتظراً ظهور شخصيّة سياسيّة أو كرتونيّة أو فنيّة على الشاشة الصغيرة"، يرسم تفاصيلها، ثم يختلي في مشغله الصغير، ينحت الوجه بتفاصيله الدقيقة، يصبّه في القالب، يُذيب مادة البلاستيك لتلتصق بالقالب المنحوت، فيأخذ القناع شكله النهائي ويصبح جاهزاً لمرحلة التلوين.
وهكذا، تطوّر المشغل وأخذ ضجّةً كبيرةً وأُغرم الوسط اللبناني بتفاصيل أقنعة سهيل. وتحوّلت الهواية إلى مهنةٍ كافيةٍ لإعالة عائلته طوال السنة، على الرغم من أن العيد يأتي مرّةً واحدةً كلّ عام. وقال قزّي: "كنت أبدأ التحضيرات والعمل ليلاً نهاراً فور انتهاء عيد الفصح، حتى أتمكّن من إنهاء الطلبيّات الكثيفة التي كانت تنهال عليّ. كانت أيام بركة وقناعة. ما بَعرف كيف كل شي تغيّر".
داخل المشغل، يأخذنا الرجل السبعيني بتجاعيده الوقورة في جولةٍ خجولةٍ، يعتذر عن الغبار وخيوط العنكبوت المنتشرة، وعن الفوضى الموجودة، فهو فقدَ اليوم "كل الحماس الذي عهده طيلة 50 سنة تجاه المهنة". يستذكر معنا مراحل التصنيع، يعرّفنا على آلاته وإزميله الأحَبّ إلى قلبه، ويخبرنا عن وجوه كثيرة صنّعها أخذت شهرةً كبيرةً كان أوّلها "أخوت شانيه" ثم بربر آغا وشخصيات برنامج "بسمات وطن" و"تيتا روزانا". ويتذكر جيداً التفاصيل الصعبة التي نحتها في بعض الأقنعة والتي "تطلّبت وقتاً ليس بقليلٍ منها وجه وليد جنبلاط ورفيق الحريري وبن لادن وسمير جعجع وغراندايزر وغيرهم". وكانت نسبة المبيعات في كلّ موسمٍ "تتخطّى الـ40 ألف قناع".

يؤكّد سهيل أن التكاليف كانت خفيفة والربح كبير، "فالناس كانوا ينتظرون البربارة ويتسابقون على اختيار القناع الأجمل". وبغصّةٍ حاول معها إخفاء دمعة حارقة، أخبرنا أن مبيعات هذا العام لم تتخطّ الـ100 قناع، خصوصاً بعد 3 سنوات من التوقّف التام خلال الأزمة وانفجار 4 آب وجائحة "كوفيد". وقال: "آخر طلبية حضّرتها كانت في العام 2019، وبقيَت موضوعةً على الرفوف مع بدء التظاهرات وتَوالي الأزمات". وهو اليوم يعرف جيداً أنه أمام استحقاقٍ مؤلمٍ يجبره على إغلاق مشغلٍ طبع وجه لبنان الحلو وحكى قصص البربارة البريئة. وأضاف مستذكراً: "كنّا نتسابق للزيّ الأجمل، عروس وعريس، تشارلي تشابلن، أخوَت شانيه، العجوز البشعة... رزق الله".
ولم يستطع إخفاء غضبه ونقمته على الدولة التي "أدخلتنا في نفق الغلاء والفساد وغيّرت كل ملامح حياتنا ومستقبل أولادنا". وحزن لكَون "الهالوين تمكّن من اجتياح مجتمعاتنا فباتَت البيوت بعيدة عن معنى العيد، وطرقة الباب في ليلة البربارة تُخفي اليوم خلفها وجوهاً مُرعبةً لا تجسّد جمال العيد الذي تربّينا عليه". وأضاف: "البربارة عيد فرح ورقص ودبكة وأغانٍ... البربارة ليست مسرح رعبٍ ودماءٍ ووجوهٍ مخيفة. عيد البربارة وجهٌ آخر من وجوه لبنان الذي نقول عنه ضيعانه وليتَه يعود".

الــمــشــهــد الــلــيــلــة يــتــغــيّــر...
اليوم، وما بين الثقل المعيشي والغلاء اللاهب وتقاليد الغرب الغريبة، تغيّر المشهد. فالأسعار هذه السنة بالدولار والأزمة الاقتصادية تشدّ الخناق، حيث لامس كيلو القطايف الـ 20 دولاراً عدا عن الأسعار النارية للقشطة والطحين والجوز والفستق الحلبي التي بات بعضها يُباع في السوق السوداء. كذلك تجاوزت أسعار الزيّ التنكريّ للأطفال عتبة الـ 25 دولاراً.
الليلة ستُطرق الأبواب لكن بمجموعاتٍ أقلّ، تنكّراتها مخيفة تقتصر على أزياء جاهزةٍ لأفلام رعب أجنبيّة لا تمُتّ لروح العيد بِصلَة. الإبداع غائب في التنكّر الذي كان يقتصر سابقاً على قناعٍ بلاستيكيٍّ أو مطاطيٍّ وحفنة ماكياج وملابس عتيقة، تُخفي شخصيّة المتنكّر الحقيقيّة. طاولة الحلويات ربما ناقصة والأفندي اندثر من التقاليد. وبقيَت طنجرةٌ صغيرةٌ وحيدةٌ على النار تُطعّم القمح وتجهّزه علّه يُحلّي مرارة الأيّام الراهنة التي أثقلت كاهل البيت اللبناني وغيّرت وجه "البربارة" الحلو الذي عهدناه.