طوني فرنسيس

قنبلة السراي الدخانية!

3 دقائق للقراءة

لم تعالج الحكومات (ومجالسها النيابية) وهي في عزّ اكتمالها، قضايا الصحة والدواء والجامعة والتربية والشغل والبطالة والهجرة... في عزّ حضورها نظّمت انهيار القطاعيّن الصحي والتربوي ودفعت إلى البطالة والخراب والهجرة وهدرت أموال المودعين وشلّت القضاء وجعلت من "الانفجار النووي" في مرفأ بيروت حادث سير، ومن المطلوبين إلى التحقيق أبطالاً لا يجاريهم في الشرف إلّا روبن هود.

لذلك، لا يستحق إجتماع الحكومة المستقيلة برئاسة رئيس مكلفّ كلّ هذا الضجيج، فلا شيء مهماً يمكن أن يصدر عن مثل هذا الاجتماع غير الترقيع في الترقيع. لن تكون هناك سياسة صحيّة جديدة ولا سياسة تربويّة مختلفة، ولن تُرسم الخطط للخروج من الأزمات كما لن يتقرر إقامة نصب تكريمي للمحقق العدلي في جريمة النيترات. وستكون نتيجة الاجتماع بيعاً لبعض المُسكنات للناس من كيسهم، في القول لهم: نحن استجبنا لحاجاتكم فاجتمعنا ها هنا لنرى في أمرنا...

ليست القصة في الحاجات والاحتياجات. فالاختبار الحكوميّ الذي أثار ويثير غبار النقاش الدستوري ليس أكثر من قنبلة دخانية إضافية تُرمى في ملاعب تعطيل الدستور ومنع انتخاب رئيس للجمهورية وشلّ إمكانية عودة المؤسسات الشرعية إلى حياتها الطبيعية. كان هذا النقاش حول دستورية اجتماع الحكومة قد استنفد غايته خلال الفراغ المفروض بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في زمن حكومة تمام سلام. يومها دارت معارك حول صلاحيات الحكومة، المكتملة الأوصاف على عكس الحكومة الموروثة الحالية، وكانت تلك المعارك حاجة ضرورية تمهيداً للإتيان بالعماد ميشال عون رئيساً. يومها واليوم أيضاً لم يكن الجدل دفاعاً عن الدستور والصلاحيات، بل سعياً وراء هدفٍ سياسي خلاصته شخص الرئيس المقبل.

في سبيل ذلك ساد سلاح الفراغ والتفريغ. ومنذ اغتيال رفيق الحريري كرّست القوى المذهبية الصاعدة بقيادة النواة المسلحة منطق الالغاء والفراغ، وخلال 17 عاماً من الحياة السياسية الرسمية، بلغت سنوات التعطيل في الرئاسة والحكومات أكثر من سبع سنوات، ما يعني هدر أكثر من أربعين في المئة من الوقت على مماحكات ترتيبات المصالح الفئوية والشخصية.

ليس اجتماع الحكومة الميقاتية خبراً عظيماً. بل هو أقرب إلى قنبلة دخانية وصوتية في معمعة البحث عن رئيس يرضى عنه ويفرضه محور "الممانعة" الذائع الصيت. لقد حصل الاجتماع برعاية زعامة المحور المذكور وانطلقت حملة حلفاء ذلك المحور للاستفادة من حصوله، بينما كان الأحرى بالجميع، ولا يزال، الذهاب مباشرة إلى معالجة المشكلة الأم وانتخاب رئيس للجمهورية فوراً ومن دون تأجيل. عندها فقط يوضع حد لألاعيب الوقت الضائع بين تعطيل وفراغ.