المحرر الاقتصادي

إنحسرت قدرته على التدخّل المستدام والمجدي

الدولار مستمرّ بصعوده رغم أنف مصرف لبنان

8 كانون الأول 2022

02 : 00

سلامة فقد قدرته على تهدئة أسواق الصرف

ارتفع سعر صرف الدولار في السوق الموازية أمس الى نحو 42 ألف دولار، وهو بذلك يحقّق ارتفاعاً تراكمياً منذ بداية السنة بنسبة 45%، رغم أنه شهد انخفاضات في عدة مراحل لفترات قصيرة تحت ضغط ومحاولات من مصرف لبنان للتأثير في السوق ومنع هبوط العملة الوطنية أكثر. إلّا أنّ تلك المحاولات باءت بالفشل لتعود قوى السوق الموازية لتؤثر في السوق بشكل أساسي مقابل محدودية هوامش المناورة أمام البنك المركزي. ويمكن سرد جملة ملاحظات في هذا السياق كالآتي:

طلب مصرفي متجدّد

أولاً: في المستجدات، علمت «نداء الوطن» أن مصارف عمدت خلال الأيام الماضية الى طلب دولارات من السوق الموازية مقابل شيكات بالليرة. وذلك الطلب متعلّق بما فرضه مصرف لبنان على البنوك لجهة تكوين سيولة نسبتها 3% من إجمالي الودائع، وإيداع تلك السيولة لدى البنوك المراسلة. وكان مصرف لبنان حوّل عدداً من المصارف الى الهيئة المصرفية العليا لعدة أسباب أبرزها مخالفة التعميم الخاص بتكوين سيولة. فخافت مصارف أخرى وعمدت الى طلب دولارات من السوق كي لا تقع بالمحظور. وأثّر ذلك في سعر الصرف بعدما زاد طلب الدولار على عرضه نسبياً.

تهويلات كلامية

ثانياً: الى ذلك، يمكن القول إن المحاولات الأخيرة لمصرف لبنان لا سيّما تلك التي قال فيها إنه سيؤمّن المزيد من الدولارات على منصة صيرفة، لم تؤت أكلها إلّا لأيام قليلة انخفض معها الدولار ثم عاد ليرتفع. فهل فقد البنك المركزي كلّ قدرته على التدخّل للجم الارتفاعات؟ تتباين الأجوبة، لكنّ الثابت هو أنّ المحاولات تفشل منذ «اختراع» المنصة التي أطلقها رياض سلامة على 12 ألف ليرة، فإذا بها الآن فوق 30 ألف ليرة للدولار. أي أن مصرف لبنان يلهث وراء السوق الموازية وليس العكس. ما يدلّ على محدودية قدرته على التدخل المستدام. علماً أن الاحتياطيات لديه تتراجع عموماً حتى لو أنها ارتفعت قليلاً في الأسابيع الماضية. فمقابل ذلك الارتفاع القليل (عدة مئات الملايين من الدولارات) ارتفعت الكتلة النقدية بالليرة على نحو هستيري حتى زادت على 70 ألف مليار ليرة. ولم تنفع تهويلات مارسها مصرف لبنان في عدة مناسبات لجهة أنه سيجفّف السوق من الليرة. فلم تعد السوق الموازية تأخذ كلامه على محمل الجدّ. ويقول مراقبون: باستطاعة البنك المركزي استخدام مليار دولار والنزول بسعر صرف الدولار الى ما دون 30 ألف ليرة، لكن ما فائدة ذلك الضوء الأخضر المرحلي اليتيم في غابة إشارات حمراء مالية واقتصادية مستدامة تعبر عن تداعيات إضافية للأزمة الاقتصادية الخانقة والانهيار المالي والمصرفي التاريخي؟؟

لا إصلاحات... لا ثقة

ثالثاً: يبقى الاقتصاد الوطني عموماً في المربع السيئ للأزمة من دون تقدم ملموس على صعيد الإصلاحات، لا بل تتأزم الأمور أكثر مع إصلاحات جذرية مختلف عليها، لا سيما كيفية توزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المصرفي فضلاً عن تعقيدات متواصلة أمام إقرار مشروع قانون الكابيتال كونترول. وبالتالي، فإن الثقة مفقودة دائماً بغد الاقتصاد ومستقبل المصارف. ما يؤدي حتماً الى هروب المتعاملين الى ملاذات آمنة أبرزها الدولار، مقابل التخلي عن الليرة التي يعبّر سعرها عن الشكوك المتزايدة بقدرة الاقتصاد على التعافي والنموّ وفقاً للمعطيات القائمة والمتفاقمة بلا حلول منذ 3 سنوات على الأقل.

الإستيراد يرتفع أكثر

رابعاً: اللافت في 2022 أيضاً عودة الاستيراد الى الصعود بقوّة مقارنة مع2021 و2012. وبما أن لبنان يستورد نحو 80% من حاجاته، فإنّ الطلب على الدولار يرتفع مع ارتفاع الاستيراد، مقابل عرض محدود أبرزه من تحويلات المغتربين. ويذكر أن حركة الاستيراد زادت بقوة منذ بداية السنة بعد بدء الحديث عن رفع الدولار الجمركي من 1500 الى 15 ألف ليرة، وحصل تخزين كبير استباقاً للجمارك الجديدة، فهل سيتراجع الاستيراد في عام 2023 ويتأثر بالمخزون المذكور وبالدولار الجمركي الجديد؟ لا شيء يشي بذلك جذرياً حتى تاريخه.

منصة التربح

خامساً: ليس من مصلحة الطبقة السياسية الطلب من حاكم مصرف لبنان خفض صرف الدولار كثيراً. وذلك متعلق بالتعميم الشهير السامح لموظفي القطاع العام بالإفادة من دولارات على سعر المنصة، ليعودوا الى بيعها في السوق الموازية لتحقيق ربح ما يسدّ قليلاً فجوة تراجع قدرتهم الشرائية. وهذا الربح أو التربح ينطبق أيضاً على تجار وبنكرجية يستفيدون من المنصة ويريدون بقاءها بسعر أقل من السوق الموازية بنسب 20 الى 30%.