بشارة شربل

خذوا "السيادة" وأعطونا الدولة

8 كانون الأول 2022

02 : 00

على غرار أكاذيب أن "كلنا نريد مصلحة البلد" و"القطاع المصرفي واقف جنبك"، و"لا بديل من الوفاق والتوافق"، وصلت عملية التضليل واسترخاص الكلام وتسخيف معانيه اليوم الى أبعد مما يتصوّره أي لبناني.

عنوان "الخلط" في هذه الفترة الرئاسية هو كلمة "سيادة". ويأخذ جماعة الممانعة وألسنة "8 آذار" على معارضي "المنظومة" مصادرتهم تلك الكلمة وتحميلها مضامين انقسامية، فيما يعتبر أهل "14 آذار" أن خصومهم تخلُّوا عما تعنيه من استقلال وكرامة على مذبح الولاء للوصاية السورية ثم للمحور الإيراني.

وإذا كان المناهضون لـ"المنظومة الحاكمة" يعرفون عموماً أن مطالباتهم تعني رفض هيمنة "حزب الله" على قرار السلم والحرب وإنهاء أدواره التي تتجاوز لبنان، فإن الفريق الآخر ينقسم بين سياسيين خبثاء تأخذهم العزة بالإثم فيستشيطون: "فشرتم نحن السياديون وأهل السيادة"، وبين جمهورهم العريض المقتنع بأن السيادة هي تلك الممارسة التي تُشعره بالاستقواء وتزوّده بسطوة التخوين بحجة أن العداء لإسرائيل يختصر معاني السيادة والكرامة.

وإذا كان من غير المفيد الجزم بحق أي فريق في اعتبار نفسه "سيادياً" 24 قيراطاً خصوصاً حين يكون الانقسام حول المفهوم حاداً وشاملاً، فإنه لا بدَّ من تجريد كلمة "السيادة" من أي بعد ايديولوجي أو نزاعي أو وطني عاطفي للوصول الى مضمون واقعي بديل.

لننسَ كلمة "سيادة" لأننا عملياً مختلفون على "الدولة". فنقول أولاً، إن ليس هناك دولة طبيعية في العالم تقبل أن يكون فيها جيشان، واحد تابع للسلطة، وآخر تابع لميليشيا أو لحزب. الأمثلة عن هذا الوضع الشاذ موجودة في اليمن حيث الخراب، وفي العراق حيث الفساد وانعدام الاستقرار، وفي سوريا حيث العصابات، وفي ايران حيث رصاص "الباسيج" يقمع المطالبين بالحريات، وفي لبنان المنهار حيث السلاح المتحالف مع المافيا شارك في أسباب الكارثة وقمعَ ثورة 17 تشرين التي لم تطالب سوى بإحياء مؤسسات الدولة.

ثانياً، لا حياة آمنة ولا ازدهار اقتصاد إلا في ظل قضاء مستقل هو عماد أي دولة محترمة. وهو ما نفتقده في ظل حكم "منظومةٍ" ليست العدالة بالنسبة إليها سوى الإفلات من العقاب ومنع التحقيق في "جريمة النيترات" باعتبارها، مثل اغتيال رفيق الحريري، "مؤامرة خارجية" على "سيادتنا وخصوصيتنا" وأداة ضغط في يد "الرجل الأبيض والغرب الاستعماري".

ثالثاً، تتحقق سيادة الدولة الطبيعية في ضبط حدودها ليس لمنع التهريب فحسب، بل أيضاً لممارسة وظيفة بديهية توجب عليها مراقبة معابرها وتطبيق القوانين المحلية والدولية على الداخلين إليها والخارجين منها. وفي ظل "المنظومة" لا ضرورة للتذكير بأن الحدود سائبة منذ ثلاثة عقود بحجة "وحدة الساحات"، أي أن لبنان بالنسبة إليها ساحة أو منصَّة لا دولة.

رابعاً، السيادة في الدولة ذات النظام الديموقراطي تعني التداول السلمي للسلطة وانتظام عمل المؤسسات لا فرض قوة الأمر الواقع واعتبار التعطيل جزءاً من العملية السياسية الروتينية. وألطفُ أمثلتها "الورقة البيضاء"!..

خامساً، من مظاهر سيادة الدولة احترام حقوق المواطنين في حرياتهم وأموالهم وفي الأموال العامة. والواقع أن "المنظومة" التي تقول "نحن أيضاً سياديون" فعلت "السبعة وذمَّتها" وحوّلت معظم اللبنانيين فقراء... إلخ.

مبروكة عليكم "السيادة"... نحن نريد الدولة.