في 4 كانون الأول، أحدث المدعي العام الإيراني، محمد جعفر منتظري، مفاجأة كبرى وأطلق جدلاً واسعاً داخل إيران وحول العالم حين أعلن أن شرطة الأخلاق المزعومة في الجمهورية الإسلامية علّقت نشاطاتها. لكن كانت تعليقاته غامضة. بدا وكأن الحركة الاحتجاجية "المرأة، الحياة، الحرية" التي نشأت في شهر أيلول، بعد موت الشابة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاماً أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، حققت انتصاراً كبيراً. لكن هل تحقّق هدفها فعلاً؟ وهل ستكون الإصلاحات في هذه المرحلة كافية لتهدئة الحشود الإيرانية الغاضبة؟
ينجم تصاعد الاستياء في الشوارع الإيرانية، في آخر 12 أسبوعاً، عن امتناع الجمهورية الإسلامية عن تطبيق إصلاحات مؤثرة في جميع الظروف. تزامناً مع توسّع فئة الشباب في المجتمع الإيراني واتخاذها منحىً أكثر علمانية وابتعادها عن النظام الحاكم والإيديولوجيا التي يحملها، أصبحت الجمهورية الإسلامية على مر السنين أكثر عزلة وقمعاً، ما يعني أن شريحة متزايدة من الإيرانيين تعتبرها غير شرعية مع مرور الوقت. قد يكون مصير شرطة الأخلاق الآن نموذجاً عن مسار الحُكم الذي تتجه نحوه الجمهورية الإسلامية مستقبلاً.
لكن يخطئ من يفترض أن القرار الحكومي الأخير سيكون أكثر من مجرّد تحوّل تدريجي. حتى أن الأوان فات على الأرجح كي يكبح النظام الثيوقراطي الاضطرابات الاجتماعية التي سبّبها بنفسه.
كانت شرطة الأخلاق الإيرانية تُعرَف رسمياً باسم "دورية التوجيه"، وقد نشأت بشكلها الراهن في صيف العام 2006. سرعان ما تحوّلت إلى وحدة تابعة لسلك الشرطة الوطنية، وقد وصفها قائد في الشرطة عند تأسيسها بالدورية المكلّفـــة "بمحاربة الحجاب غير اللائق ومثيري الشغب".
فرضت الجمهورية الإسلامية الحجاب الإلزامي على النساء في الأماكن العامة في آب 1983، بعد بضع سنوات على تأسيس البلد، غداة الثورة الإيرانية في العام 1979. لا تزال إيران واحدة من دولتَين تفرضان هذا القانون (أفغانستان تحت حُكم حركة "طالبان" هي الدولة الثانية). فُرِض قانون اللباس هذا عبر دوريات متنوعة في الشوارع منذ صدوره، علماً أن قوة مشابهة كانت تُعرَف في السابق باسم "لجان الثورة الإسلامية". في الماضي، تصادم هذا النوع من الدوريات مع الناس بسبب فرض الحجاب ومجموعة متنوعة من الخطوط الحمراء الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك تواجد رجال ونساء غير متزوجين أو لا تربطهم صلة قرابة معاً في الأماكن العامة.
أقدمت النسخة المعاصرة من شرطة الأخلاق على اعتقال عشرات آلاف النساء منذ نشوئها بسبب ما يعتبره المسؤولون فيها "حجاباً غير لائق". تعرّضت مئات آلاف النساء للتوبيخ المهين أو حتى الإذلال العلني أحياناً.
عمد الرئيس الإيراني المتطرف إبراهيم رئيسي إلى تشديد القواعد التي تفرضها هذه الوحدة المكروهة على نطاق واسع خلال أول سنة له في الحُكم، وشهدت الأشهر التي سبقت موت أميني انتشار فيديوات عدة على مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية حيث تقوم شرطة الأخلاق بضرب النساء واعتقالهنّ. في أحد الفيديوات المتداولة في الصيف الماضي، شوهدت أم وهي تنوح وترمي بنفسها على سيارة شرطة الأخلاق لمنعها من أخذ ابنتها.
في هذه الظروف وعلى وقع الحركة الاحتجاجية المستمرة، ظهر منتظري ليقول إن زمن تجوّل شرطة الأخلاق في الشوارع انتهى. رداً على أحد الأسئلة خلال مناسبة عامة، أعلن منتظري أن "دوريات التوجيه لا علاقة لها بالسلك القضائي. لقد تم تعليق عملها من المكان الذي بدأت فيه".
أعطت تعليقات منتظري صدىً واسعاً وسريعاً حول العالم، لكن حافظ الإيرانيون محلياً على حذرهم. سيكون تساهل الحكومة مع ارتداء الحجاب الإلزامي انتصاراً كبيراً للحركة الاحتجاجية التي دفعت النساء إلى خلع حجابهنّ علناً أو حتى إحراقه في بعض الحالات. منذ اندلاع الاحتجاجات، بدأت النساء أيضاً يخرجن في المدن من دون وضع أي غطاء على رؤوسهنّ في مناسبات متكررة. إنه مؤشر ظاهري على جمود نشاطات شرطة الأخلاق.
لكن تنذر مؤشرات أخرى بأن السلطات تتساهل موقتاً في فرض الحجاب الإلزامي بسبب تصاعد الغضب الشعبي. حتى أن بعض التقارير في الأسابيع الأخيرة يذكر أن أعضاء شرطة الأخلاق كثّفوا نشاطاتهم القسرية في المدن الأكثر تديّناً. في 5 كانون الأول، كتبت صحيفة "هام ميهان" الإيرانية مثلاً عن توسّع حضور شرطة الأخلاق في مدن مثل "قم"، معقل الإسلام الشيعي في إيران.
تشير هذه التطورات كلها إلى نزعة الحكومة الإيرانية إلى تخفيف نشاطات شرطة الأخلاق في مناطق معينة مقابل تكثيفها في أماكن أخرى. مع ذلك، تثبت تعليقات مسؤولين إيرانيين آخرين في الأيام الأخيرة مصداقية الادعاء القائل إن أيام هذه القوة أصبحت معدودة فعلاً. لكن تتوقف طريقة تنفيذ هذا الواقع المستجد عملياً على استعداد قيادة الجمهورية الإسلامية لتغيير موقفها من الإصلاح.
بعد أيام على تعليقات المدعي العام الإيراني، استعمل النائب المتشدد حسين جلالي لهجة تحدٍّ حين تكلم عن الحجاب الإلزامي، فقال: "العدو يظن أن إلغاء الحجاب والعفة وزوال الغطاء الإسلامي يعنيان نهاية الجمهورية الإسلامية". ثم تابع قائلاً إن خطة "الحجاب والعفة" الجديدة ستُصاغ بطريقة تضمن "زيادة التكاليف المترتبة على مظاهر الحجاب غير اللائق" في المجتمع.
بعد مرور أيام، قام علي خان محمدي، المتحدث باسم منظمة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" المُكلّفة بتطبيق المبادئ الأخلاقية الدينية، بتوضيح تلك الخطة الجديدة لفرض الحجاب الإلزامي، فقال إن الشرطة والسلطة القضائية أعلنتا أن مهمة شرطة الأخلاق انتهت. لكنه أوضح أن قانون الحجاب الإلزامي لم يتغير، بل سيُطبَّق "بطرق جديدة وأسلوب أكثر حداثة ودقة".
لكن ما طبيعة هذه الأساليب المستحدثة؟ في الأشهر الأخيرة، تكلم المسؤولون الإيرانيون عن استعمال تقنية مراقبة الوجه لتحديد المرأة التي ترتدي الحجاب بطريقة غير لائقة. قال جلالي أيضاً إن هذا النوع من تدابير إنفاذ القانون سيبدأ بتوجيه تحذيرات إلى النساء عبر رسائل نصية، لكنه قد يؤدي إلى تقييد حساباتهنّ المصرفية.
على صعيد آخر، اعتبر جلالي "التراجع" عن فرض الحجاب انتكاسة للجمهورية الإسلامية. من المعروف أن هذه الرؤية العالمية تُعبّر عن المقاربة العامة التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية لتطبيق الإصلاحات الاجتماعية والسياسية. لهذا السبب، اعتُبِر أي رضوخ للمطالب الشعبية لتغيير قواعد ومؤسسات النظام الثيوقراطي منحدراً زلقاً قد يُهدد النظام القائم كله. ينطبق هذا الوضع على الحجاب الإلزامي تحديداً لأنه يُعتبر رمزاً أساسياً للنظام السياسي الإسلامي داخل إيران.
لكن لم تكن الدعوات إلى الإصلاح من داخل الجمهورية الإسلامية نادرة يوماً. طوال سنوات، حاول الإصلاحيون فرض تغيير معيّن، لكنهم قوبلوا دوماً بمقاومة شرسة من آية الله علي خامنئي والنظام السياسي ذات التوجهات الأمنية. تعرّض معظم الإصلاحيين للتهميش السياسي بشكل عام، لكن بدأ النظام الذي يتوق إلى اكتساب الشرعية يتقرب منهم مجدداً.
في الفترة الأخيرة، اجتمع علي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مع مجموعة من الشخصيات السياسية، بما في ذلك عدد من أهم الإصلاحيين مثل عازار منصوري، رئيس حزب إصلاحي بارز.
خلال ذلك الاجتماع، تكلم منصوري عن ما اعتبره إصلاحات ضرورية على المديين القصير والطويل. شملت توصياته إلغاء شرطة الأخلاق، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ووضع حدّ لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"واتساب"، وتغيير تركيبة مجلس صيانة الدستور الذي يُعنى بالتدقيق بالمرشحين، ومراجعة الدستور، والتحضير لإجراء انتخابات "حرّة وتنافسية".
يبقى أن ننتظر لنرى مدى استعداد الجمهورية الإسلامية لتغيير أسلوبها في الحُكم على أرض الواقع وبطرقٍ قادرة على معالجة مشاكل الناس. من المستبعد أن يسمح استبدال شرطة الأخلاق بأدوات عقابية أخرى، مثل إغلاق الحسابات المصرفية، بتهدئة المحتجين. حتى أن هذه الخطوة قد تدفع أعداداً متزايدة من الناس للنزول إلى الشوارع.
برأي شريحة واسعة من الإيرانيين، تبقى الجمهورية الإسلامية غير قابلة للإصلاح. لقد ارتكب النظام القائم عدداً مفرطاً من الانتهاكات، حتى أنه قتل 60 قاصراً على الأقل خلال الاحتجاجات الأخيرة، لكسب أي نوع من الشرعية. في الوقت نفسه، لا يزال خامنئي، رجل الدين المتعنّت البالغ من العمر 83 عاماً، يرأس هذا النظام. ما لم تحصل إصلاحات كبرى تتجاوز خطوة إلغاء شرطة الأخلاق، يرتفع احتمال أن تبقى الجمهورية الإسلامية نظاماً سياسياً على خلاف مع معظم فئات الشعب الإيراني.