مجيد مطر

إجتماع مجلس الوزراء: العبرة في التموضع

10 كانون الأول 2022

02 : 00

بطبيعة الحال، لا يمكن استشعار مدى التشقّقات في العلاقة بين «حزب الله» و»التيار العوني» على مقياس اجتماع مجلس الوزراء، الذي عمل النائب جبران باسيل جاهداً على تعطيله لغايات غير التي يعلنها.

فـ»حزب الله» قادر على استيعاب «التيار الوطنيّ الحرّ» ورئيسه، متجاوزاً كلّ ما يصدر عنهما من كلام اعتراضي ضده، طالما أنّ الأمر لا يتعدى مجرد الكلام الذي لا يرقى إلى الفعل. الحساب عند «الحزب» القائد على الأفعال لا الأقوال. واعتراض باسيل قوامه رئاسي لا حكومي، وهذا معلوم لدى الجميع.

للتذكير، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي سُرب «شريط فيديو» لجبران باسيل ينتقد فيه «حزب الله»، الذي استوعب بدوره الأمر، وعاد وقدّم له الدعم في الانتخابات النيابية، وساهم في إنجاح عدد من نواب «التيار» الذين ما كانوا ليفوزوا لولا دعمه المباشر.

من نافل القول، إنّ «حزب الله» يصبُّ كل تركيزه على رئاسة الجمهورية، لأهميتها بالنسبة اليه. وهي فعلاً لا تزال مهمّة ومؤثرة، بخلاف ما يدّعيه «العونيون» لناحية أنّ الرئيس بات موقعاً بلا تأثير. وذلك في تناقض واضح بين ادعاءاتهم وبين الاستشراس للوصول إلى الرئاسة، بدليل الاستمرار بالتصويت بورقة بيضاء ثم الخروج من القاعة، منعاً لتأمين النصاب، في تكرار لتجربة التعطيل السابقة، التي أتاحت وصول ميشال عون الى قصر بعبدا.

في ما يتعلق بموضوع جلسة مجلس الوزراء، هي معركة جرت ضمن الفريق الواحد، الذي تحكمه جملة من التناقضات عجز «حزب الله» عن رأب صدعها، لناحية الصراع السياسي المستمر بين رئيس مجلس النواب نبيه بري و»التيار» منذ بداية التسوية الرئاسية الشهيرة، حيث لم يستطع رئيسه أن يهضم خروج الرئيس ميشال عون من قصر بعبدا، وبقاء خصومه في مواقعهم، مع مقدرة أكبر على التحكمّ في مجريات الأمور. وعلى الأرجح تعود مآخذ جبران باسيل على «حزب الله» إلى عدم قبوله بتغطية بقاء الرئيس عون في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته.

يبقى السؤال، كيف نام جبران باسيل مزهواً بقوة ثلث تعطيليّ، ثم استيقظ على اختلال ذلك الثلث بعد قرار الوزير جورج بوشكيان تأمين النصاب؟

الجواب بسيط جداً، إنها مسألة تموضع، فرضه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ومن خلفه الرئيس بري، فوضع «الحزب» أمام خيارين: إمّا التضامن مع حليفه، وإمّا تأمين النصاب بذريعة الحاجات المعيشية الملحّة، وقد أكد وزير الأشغال العامة علي حمية حضور الجلسة لهذا السبب. اذاً العبرة دائماً في التموضع.

يبدو أنّ الوزير باسيل لا يعرف حليفه جيداً، وكيف يقارب مواقفه المتعلّقة بالتوازنات بكليتها. فلطالما طالب «حزب الله» منذ خروج الجيش السوري، بإحياء معادلة: الاقتصاد والسياحة لكم، والأمن والسياسة لنا. فقد تكيّف «الحزب» سابقاً مع حكومات تتعاطى في القرارات الاقتصادية، وتبتعد عن السياسة الخارجية والأمنية. فلولا رضى «حزب الله» لما ترسّمت الحدود البحرية مع اسرائيل، فمن غير المسموح بالنسبة إليه أن يتم هذا الملف من دون موافقته، حتى ولو تجاوزت حدودنا البحرية الخط 29 لتتصل بغزة.

هذه المسائل هي اختصاص حصري «للحزب»، وعليها يبني مواقفه الحاسمة، أمّا القضايا الاخرى، فيمكنه ان يتجاوزها ويتساهل حيالها. الإصرار على عقد الجلسة كان ذكياً، اذ لو تمّ الغاء الجلسة لتعذّر تحميل المسؤولية لأحد، في حين الإبقاء على الدعوة، يُحمل المتغيّب المسؤولية، وقد أحرج هذا الكثيرين ومن ضمنهم «حزب الله»، الملزم بمراعاة الحلفاء الآخرين. وهذا ما دفع باسيل للتذكير بالضرورة التي تحكم حليفه، وهي الاستقرار ضمن المكوّن الشيعي.

واضح جداً أنّ رئيس التيار العوني، قد أظهر عجزاً في تحليل الواقع، ومقاربة الأمور، فلم يقرأ جيداً مستجدات موقعه بعد ظهور نتائج الانتخابات النيابية، التي أظهرت تراجع شعبيته، كذلك انتهاء ولايه الرئيس عون قد قلل من قدرته على التأثير.

بالنسبة لخصومه السياسيين وتحديداً الرئيس بري، فهو ابن النظام، وتكمن قوته في أنّه يلعب في أدوات النظام نفسه، وفضلاً عن أنّه يجيد التموضع جيداً، فهو مدرك لنتائج انسحاب سعد الحريري من الحياة السياسية، اذ ليس من مصلحته أن يكون رئيس الحكومة ضعيفاً، لهذا يقف بكلّ قوته إلى جانب الرئيس ميقاتي.

وقد استطاع الرئيس بري تحييد «حزب الله» في كثير من المواجهات مع العهد. لقد تصدى في الخفاء والعلن لفكرة بقاء الرئيس عون في القصر، وفي هذه الجلسة اعتبر أنّ أهميتها تكمن ليس فقط في ملاءمتها، بل في فعاليتها في تعطيل الثلث المعطل لجبران باسيل، باعتباره سلاحاً ينجم عنه التحكّم في جميع المسارات القادمة، وبالتالي مسّاً بالتوازنات.

أمام ما نحن عليه، يمكن القول إنّ «القوات اللبنانية» كانت محقة في عدم الدخول إلى السلطة في عهد الرئيس عون، وكانت محقّة أكثر في عدم تسمية سعد الحريري في التكليف، الذي ما إن خرج من الحياة السياسية، حتى أفقد جبران باسيل الوتر الذي يشدّ به عصبه السياسي والطائفي. ومن الهذيان استخدام الأسلوب نفسه مع الرئيس ميقاتي. يبقى الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية، هو الأجدى للجميع.

(*) كاتب لبنانيّ