يفرضُ استحقاق انتخاب مفتي طرابلس والشمال إيقاعه على حركة المرشحين والهيئة الناخبة، ومنها النواب والحركات والهيئات، وهو يتصدّر النقاش في المجالس ويضع المؤسّسة الدينية على أبواب انتظار مفتٍ جديد يصيغ الأولويات ويعيد رسم السياسات العامة في منحاها الديني والاجتماعي والتنموي، وفي علاقاتها بمؤسسات الدولة والمجتمع، وبمكوّنات المحافظة التي سيتولى إدارة إفتائها وإعادة تنظيم العلاقات معها، في ظلّ غياب مزمن عن الحضور في هذه المجالات.
يخوض سبعة مرشحين انتخابات الإفتاء المقرّرة في الثامن عشر من كانون الأول الحالي، وهم: القائم بأعمال المفتي الشيخ محمد إمام، القاضي سمير كمال الدين، القاضي الدكتور وسام السمروط، شيخ قراء طرابلس بلال بارودي، الشيخ مظهر الحموي، الشيخ أحمد المير، الشيخ أحمد كمون. وهم يواجهون تحديات كبيرة لا بدّ أن يمتلكوا الرؤية والإرادة والشجاعة والوسائل للتصدّي لها، وهي تشمل الشؤون الدينية والإدارية والشراكة الإسلامية الإسلامية والإسلامية المسيحية.
تفصل عموم المسلمين عن مؤسسات دار الفتوى، فجوة واسعة، بسبب الغياب عن الاهتمام بشؤونهم، وكانت لهذا الواقع تداعيات منها تعطيل سُنّة الوقف الخيري، فأصبح الاتجاه نحو إنشاء الأوقاف الذرية (العائلية) هو السائد، وما هو موجود من الأوقاف يعود لسنوات طويلة خلت، وبسبب هذا التعطيل سقط أحد أهمّ أعمدة التكافل الاجتماعي في المجتمع.
نشير هنا إلى أنّ الشيخ محمد إمام وفريقه موجودون في الأوقاف منذ 14 عاماً، وكانوا جزءاً من هذه الإدارة، لذلك فإنّ الجانب الإداريّ في عمل الشيخ إمام لم يكن ناجحاً، رغم الجهود التي بذلها أعضاء مجلس إدارة الوقف الحالي، فالمسألة تحتاج إلى عملية تطهير إدارية متكاملة، من الواضح أنّ الشيخ إمام لا يمتلك الرؤية والقدرة على تنفيذها، فهو أبقى فريق المفتي السابق الشيخ مالك الشعار ولم يأتِ بفريق مؤهّل لإيجاد الحلول للمشاكل القائمة، بينما يدور الحديث عن وقوف الشعار خلف ترشيح إمام.
من أبرز المهمّات التي تنتظر المفتي المقبل تمكينُ الأوقاف من إدارة مساجدها وضبط الخطاب فيها ضمن منهج وثوابت دار الفتوى الإسلامية والوطنية، والتعاون مع الأجهزة الأمنية الشرعية لتحصين المجتمع من آفات التطرف والمخدّرات، وهذا المسار له خطوات وتفاصيل عملية تحتاج إلى جرأة وحكمة، وتشمل كذلك ضرورة معالجة أوضاع حَمَلة الشهادات «الشرعية» المشبوهة الآتية من معاهد خارج الحدود، والأمر نفسه ينطبق على المصلّيات غير القانونية التي يسبّب أغلبها ظواهر تثير القلق أمنياً واجتماعياً.
لا يمكن أن يغيب عن واجبات المفتي الآتي مسألة رعاية الشراكة الإسلامية الإسلامية، وتعزيز دور دار الفتوى الحاضن لجميع مكوّنات المجتمع الطرابلسي، وخاصة الطائفة العلوية والعمل على بناء جسور التعاون معها وكسر الحواجز الوهمية المتبقية من مراحل الصراع السابقة مع بروز قيادات مدنية منفتحة فيها، وكذلك تعزيز الشراكة الإسلامية المسيحية وهي الركيزة لإعادة طرابلس إلى قلب المعادلة الوطنية.
هل يلتزم المرشحون بخطة واقعية للنهوض بدار الفتوى؟
يبقى أنّ المعيار الأول للصدقية في سلوك المرشحين، هو تقديم كلّ مرشحٍ خطته في هذه المجالات أمام الرأي العام وأن يتعهد الالتزام بها، وهذا ما ينتظره الناس من جميع المرشحين، مع العلم أنّ من كان في سدة المسؤولية وفشِل في تحقيق أيّ إنجاز جدّي، من الأرجح أنّه لن يستطيع الإنجاز في المستقبل، ومن تنامُ ملفاتُ الاشتباه فيه بالفساد تحت ملف ترشيحه، لن يكون منصبُ الإفتاء بالنسبة إليه سوى تحصينٍ من حكم عدالة لم تُكمل مهمتها، وبقيةُ المرشحين أمامهم مسارٌ إلزامي بطرح أفكارهم وخطط عملهم، والرأي العام بكلّ فئاته وأطيافه سيكون بالانتظار فإمّا يقدّم الثناء والدعم أو المحاسبة المعنوية والقانونية في حال وقوع ما يوجبها.