ديريك غروسمان

الهند تدعم النظام الدولي الذي يقوده الغرب على طريقتها

7 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في في نيودلهي | الهند، 6 ديسمبر 2021

كان غموض المواقف الهندية بشأن الحرب الروسية في أوكرانيا مزعجاً لأقصى حد بالنسبة إلى صانعي السياسة الأميركية. في الأمم المتحدة، امتنعت الهند عن التصويت على معظم القرارات التي تدين العدوان الروسي. وفي مجموعة أخرى من المنتديات متعددة الأطراف، مثل الحوار الأمني الرباعي الذي يتألف من أستراليا، الهند، اليابان والولايات المتحدة، ترفض نيودلهي أن تنتقد موسكو، حتى أنها لا تذكر اسمها. في غضون ذلك، لم توافق الهند على العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على روسيا.



إمتعضت إدارة جو بايدن تحديداً من مواقف نيودلهي السياسية لأنها تعتبر الهند عاملاً مؤثراً على نجاح أو فشل الاستراتيجية الخاصة بمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ والمُصمّمة للتصدي للصين. أمام هذا الوضع، يتساءل صانعو السياسة الأميركية: إذا رفضت الهند دعم النظام الدولي الليبرالي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة الذي يحمي الحدود السيادية، خدمةً لروسيا، فهل ستقوم بالمثل مع الصين؟ من الواضح أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وحكومته يسعيان إلى تطبيق سياسة خارجية واقعية لأقصى حد. هذه السياسة لا تعطي الأولوية للجوانب القانونية والأخلاقية من الشؤون الدولية، بل تُركّز على تحقيق مصالح الهند الوطنية. من خلال رفض إدانة روسيا، تحصد الهند منافع اقتصادية وأمنية ملموسة، منها القدرة على شراء النفط بأسعار مُخفّضة جداً ومتابعة الحصول على أسلحة روسية الصنع لصالح قواتها المسلّحة. ليس مفاجئاً إذاً ألا تتخلى نيودلهي عن شراكتها القديمة مع موسكو، وهي علاقة تعود إلى حقبة الحرب الباردة.

لكن رغم تصرفات الهند المخيّبة للآمال، لم تتخلَّ نيودلهي عن النظام الدولي الليبرالي لإنقاذ علاقتها مع روسيا. حضر مودي قمة منظمة شنغهاي للتعاون في شهر أيلول مثلاً، لكنه عارض العدوان الروسي وهو ينظر إلى الرئيس فلاديمير بوتين مباشرةً، فقال: «أنا أعرف أن هذا العصر ليس عصر الحروب، وقد تكلّمتُ معك على الهاتف حول هذا الموضوع». وحين اتّضح في الشهر الماضي أن قمة مجموعة العشرين في بالي، أندونيسيا، لن توافق على بيان مشترك بسبب اختلاف الآراء حول الحرب في أوكرانيا، تفيد التقارير بأن نيودلهي تدخّلت لبلوغ الإجماع المطلوب لإصدار موقف يدين موسكو بشكل عام. كذلك، قرر مودي تفويت قمة سنوية مع الرئيس الروسي، ويقال إن السبب يتعلق بتهديدات بوتين الأخيرة باستعمال أسلحة نووية في أوكرانيا.

حرصت الهند على حماية النظام الدولي بطرقٍ أخرى أيضاً. لطالما دعا وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، إلى إقرار تسوية سلمية لحل الصراع في أوكرانيا، وقد صدر هذا الموقف في مرحلة لم تكن فيها الظروف الدبلوماسية تسمح بهذا الخيار. إنه الموقف الذي أعلنه مثلاً خلال زيارته لموسكو في تشرين الثاني. كذلك، لم يعتبر جايشانكار أو أي طرف آخر في الحكومة الهندية أن تسوية السلام المنتظرة يجب أن تحصل على حساب الأراضي الأوكرانية. حتى أن نيودلهي تشتكي دوماً من عواقب الحرب المستمرة على مستوى إمدادات الأغذية والأسمدة، لا سيما في دول الجنوب العالمي.

على صعيد آخر، لا يمكن اعتبار الهند دولة تحريفية. رغم إقدامها على غزو غوا التي كانت تحتلها البرتغال في العام 1961، يرفض هذا البلد مفهوم الحرب ما لم يتعرّض للهجوم. حتى أنه انضم إلى الحوار الأمني الرباعي، وهو منتدى متعدد الأطراف يجمع بين بلدان ديمقراطية تحمل العقلية نفسها. ربما ترددت الهند في المشاركة في جهود نشر الديمقراطية في الخارج، لكنها زادت التزاماتها في هذا المجال عبر تدريب مسؤولين أفارقة وآسيويين في الأنظمة الانتخابية والبرلمانية مثلاً، أو تطوير التعاون بين دول الجنوب تزامناً مع التركيز على أسلوب الحُكم والمجتمع المدني. في الوقت نفسه، درّبت الهند مسؤولين خارجيين لتوعيتهم حول أهمية تفوّق السيطرة المدنية على السلطة العسكرية، ودور حقوق الإنسان، وحرية وسائل الإعلام.

لكنّ دعم نيودلهي للنظام الدولي الليبرالي لا يعني أنها تحبّذ مختلف جوانبه. الهند هي الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم وقد تكون الأكثر حيوية بعد حقبة الاستعمار، لذا من الطبيعي أن تشكك دوماً بمنافع ذلك النظام وتتساءل عن مبالغة البلد في الخضوع لقواعد حدّدتها جهات خارجية مجدداً. عملياً، تطمح الهند للتحول إلى جزءٍ من المشهد الدولي الناشئ الذي يتألف من أقطاب متعددة. في هذا السياق، ذكر المراقب الهندي، هابيمون جاكوب، حديثاً أن صانعي السياسة الهندية «يعتبرون أنفسهم جزءاً من أقطاب النظام الدولي... لهذا السبب، يجب أن يتعلّم كل من يرغب في التعاون مع الهند على الساحة الدولية كيفية التعامل مع «القطب الهندي». برأيه، يجب ألا نسأل الهند عن الطرف الذي تنحاز إليه بل عن الطرف الذي تُمثّله.

يبدو أن الهند تسعى إلى دخول هذا العالم التعددي الجديد عبر تجنب المنافسة بين القوى العظمى بالكامل، فهي تفضّل أن تطلق مسارها المبني على مبدأ عدم الانحياز. يعتبر الكثيرون في واشنطن سياسة عدم الانحياز الهندية مرادفة للحياد والجمود، لكن قد يسهم موقفها في ترسيخ استقرار النظام الدولي الراهن: نظراً إلى عدم انحياز الهند لأي معسكر، تتراجع القوة الجماعية لكل طرف ضد الأطراف الأخرى لأن جميع الكُتَل تعجز عن تحقيق الفوز استراتيجياً، وبالتالي يتراجع احتمال أن تندلع الصراعات. إنها نتيجة إيجابية أخرى لدعم النظام الدولي.

إذا كانت واشنطن تتوقع أن توافق نيودلهي على جميع السياسات الأميركية بكل بساطة، لا مفر من أن يخيب أملها. لا تستطيع نيودلهي أن تمتنع عن دعم التحركات الأميركية، مثل إدانة العدوان الروسي ضد أوكرانيا فحسب، بل إنها قادرة على معارضتها بطريقة عملية أيضاً. اتّضحت هذه النزعة حين عارضت الهند الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 لإسقاط رئيس البلد، صدام حسين، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل المزعومة. لكن حين تتماشى القرارات الأميركية على الساحة العالمية مع مصالح الهند الوطنية، يزيد احتمال كسب الدعم الهندي بدرجة ملحوظة. هذا ما حصل مثلاً حين قررت الولايات المتحدة استئصال عناصر تنظيم «القاعدة» في أفغانستان بعد هجوم 11 أيلول، فقد عبّرت الهند عن المخاوف الغربية نفسها من احتمال أن تُصَدّر أفغانستان الاعتداءات الإرهابية.

إذا بلغت الهند مكانة القوى العظمى خلال العقود المقبلة، يجب أن يفهم الجميع إلى أي حد تنوي متابعة دعم النظام الدولي الليبرالي. من جهة، يثبت دعم الهند الضمني للأهداف الغربية ضد موسكو (رغم استمرار شراكتها مع روسيا) أن البلد سيعطي الأولوية لإطار العمل المعتمد مستقبلاً. ومن جهة أخرى، تبدو نزعة الهند الواقعية في علاقاتها الثنائية متناقضة مع هذه المقاربة. لا تريد الهند أن تدين بالفضل إلى أي بلد آخر، لذا قد تقرر التخلي عن النظام الدولي الليبرالي بالكامل. باختصار، من المستبعد أن تدعم الهند ذلك النظام على الطريقة الغربية إذا أصبحت قوة عظمى بحد ذاتها، حتى أنها قد تمتنع عن دعمه في مرحلة معينة. يتوقف الوضع عموماً على الظروف الدولية مستقبلاً ووضع السياسة الهندية المحلية.

لكن على المدى القصير، أثبتت نيودلهي التزامها بالنظام الدولي الليبرالي بطريقتها المحدودة، وهو واقع يتعارض مع التشكيك الأميركي المستمر بمستوى دعم الهند لذلك النظام. يبقى تحقيق مصالح الهند الوطنية على رأس الأولويات في جميع الظروف، بما في ذلك إمدادات النفط والأسلحة التي تتلقاها الهند من روسيا. على صعيد آخر، قد يدرك صانعو السياسة الأميركية أن أي ضغوط إضافية تعطي نتائج عكسية على الأرجح. يبدو أن مودي وبايدن توصّلا إلى تسوية معينة في شهر أيار الماضي، فقد اتفقا بكل بساطة على عدم الاتفاق في ملف إدانة العدوان الروسي. منذ ذلك الحين، حققت الشراكة الأميركية الهندية نجاحاً ملحوظاً ومستمراً. قد ترتكز واشنطن على هذا النموذج بالذات خلال المراحل المقبلة.