بعد أكثر من عشر سنوات على أداء دور "الرجل الحديدي"، يصعب أن نتخيل روبرت داوني جونيور بدور مختلف، مع أن تجاربه أثبتت أنه يتمتع بكاريزما عالية وقدرات كوميدية ودرامية كبرى، وهذا ما يدفع معظم المخرجين إلى التعاون معه. قصة "دوليتل" مقتبسة في الأصل من رواية الأطفال The Voyages of Dolittle (رحلات دوليتل) للكاتب هيو لوفتينغ في العام 1922. وبعد الجزء الأول من بطولة ريكس هاريسون (1967) والجزء الثاني من بطولة إيدي ميرفي (1998)، يؤدي داوني جونيور دور الطبيب الغريب "دوليتل" الذي يتكلم مع الحيوانات في الجزء الثالث من هذه السلسلة. لكن يبدو هذا الجزء الذي أخرجه ستيفن جاغان ثقيلاً جداً بالنسبة إلى مغامرة خيالية، حتى أن إيقاعه عشوائي ويقدم داوني جونيور فيه أداءً مليئاً بالشوائب حين يضطر لاتخاذ قرارات مبتكرة.
يتأثر الفيلم على مستويات عدة بالنسخة المقتبسة في العام 1967 والرواية الأصلية أكثر من نسخة العام 1998. يقدّم جاغان القصة على شكل حكاية خيالية، ويستعمل في البداية تقنية الرسوم المتحركة لطرح خلفية قصة الطبيب المأسوية: كان الدكتور "دوليتل" معروفاً بموهبة التكلم مع الحيوانات، وكانت زوجته تشاركه الاهتمامات والقدرات نفسها. اكتسب الزوجان شهرة واسعة وكرّمتهما ملكة إنكلترا عبر تقديم عقار لهما لمتابعة عملهما فيه. لكن اختفت زوجة الطبيب بطريقة مأسوية حين كانت تبحث عن "جزيرة عدن"، فانهار بالكامل. منذ ذلك الحين، يحجز نفسه بعيداً عن ذلك العقار والبشر، ولا تحيط به إلا الحيوانات.
تستعمل بقية أجزاء الفيلم مشاهد الحركة الحية، لكن كان من الأفضل أن يبقى الفيلم كله على شكل رسوم متحركة. بدل هذا الخيار، تُستخدَم رسومات محوسبة لتقديم الحيوانات على الشاشة. نشاهد الببغاء الحكيمة "بولينزيا" (إيما تومسون)، والغوريلا الخائف "تشي تشي" (رامي مالك)، والبطة الغريبة "داب داب" (أوكتافيا سبنسر)، والنعامة الحمقاء "بليمبتون" (كوميال نانجياني)، والكلب "جيب" (توم هولاند). أصبحت أفلام الأطفال المليئة بنجوم السينما نزعة رائجة اليوم، ويوافق الممثلون على هذه العروض بكل سرور. لكن قد لا تكون قراءة أسماء رالف فيين، وسيلينا غوميز، وماريون كوتيلارد، وجيسون مانتزوكاس، وفرانسيس دي لاتور، مُرضِية للمشاهدين الأكبر سناً.
في مطلق الأحوال، تصل حياة الدكتور "دوليتل" إلى نقطة مفصلية حين يظهر الفتى "تومي ستابينز" (هاري كوليت) على بابه يوماً مع سنجاب مصاب. وعندما تأتي "ليدي روز" (كارميل لانيادو) لاحقاً، يستنتج الاثنان أن الطبيب، بلحيته الطويلة وشعره الأشعث، يعيش حياة معزولة عن العالم. تصل "ليدي روز" لإبلاغ "دوليتل" بأن الملكة (جيسي باكلي) مريضة وتحتاج إلى المساعدة. أصبحت الملكة على شفير الموت وتحتاج إلى ثمرة من "شجرة عدن" لإنقاذ حياتها. هذا ما يدفع "دوليتل" و"ستابينز" إلى الإبحار نحو الجزيرة الأسطورية لإيجاد الثمرة.

يرتكز سيناريو دان غريغور ودوغ ماند وجاغان على تناقض الشخصيات. على سبيل المثال، تكثر المواجهات بين الدب القطبي "يوشي" (جون سينا) والنعامة "بليمبتون"، فيهينان بعضهما على خلفية شكلهما وذكائهما. كذلك، تبدو مشاهد "تشي تشي" الجبان مضحكة جداً. لكن تطغى الحيوانات على شخصية "دوليتل" وتسرق منه الأضواء في لحظات كثيرة. لن يتسنى لنا أن نستكشف جوانبه الفردية. حتى أن هذه المبالغة تُجرّد النكات من مفعولها أحياناً وتشوّش على الرسائل الوافرة التي يحاول "دوليتل" إيصالها عن أهمية العمل المشترك وتجاوز المخاوف والتسامح.لا ينجو فيلم Dolittle إلا بفضل الشخصيات الشريرة التي يقدّمها. يؤدي مايكل شين مثلاً دور عدو كرتوني مدهش اسمه دكتور "بلير مادفلاي". يدرك هذا الأخير مكانته مقارنةً بالدكتور "دوليتل"، لكنّ حقارته كفيلة بإغناء الفيلم الذي يفشل عموماً في التركيز على محوره الأساسي. على صعيد آخر، يظهر أنطونيو بانديراس بدور "ملك القراصنة" الأشيب الذي يرتدي زي قرصان مزخرف ويطرح تهديدات خطيرة. لكن بحلول الدقيقة 106 من مدة العرض، يعجز الفيلم عن تسليط الضوء على هذه العناصر كلها نظراً إلى تعدد القصص المطروحة. حتى الممثل العظيم جيم برودبنت لا يظهر على الشاشة لمدة كافية. باختصار، يبدو هذا الجزء للمخرج جاغان منمقاً أكثر من اللزوم ومبهماً من الناحية السردية، كما أنه لا يقدم جوانب كوميدية ممتعة بقدر ما يوحي به عنوانه. بل إنه يكتفي بجمع عناصر خيالية مبعثرة، فيشعر المشاهدون في نهاية المطاف بأنهم أمام قصة شبه عادية من الواقع!