سقطت مساعي التوافق في انتخابات إفتاء طرابلس والشمال وتحوّلَ المرشحون نحو استكمال استعداداتهم الأخيرة للاقتراع يوم الأحد المقبل، واشتدّت حماوة التحرّكات والاتصالات ومحاولات استقطاب أعضاء الهيئة الناخبة وتأمين الأصوات الكافية للفوز بمنصبٍ ديني له ارتباط عميق بتاريخ المدينة وأبعادٌ سياسية ووطنية واجتماعية، وتطلّعاتٌ يترقّبها أبناء طرابلس الذين ينتظرون مفتياً يتمكّن من ترميم الثقة بالمؤسسة الدينية ويُعيد إحياء أوقافها ويعيد لها دورها المفقود ووزنها المتلاشي منذ عقود.
تشتدّ المنافسة عملياً بين مرشحَين متقدِّمَين هما القائم بأعمال المفتي الشيخ محمد إمام وشيخ قراء طرابلس الشيخ بلال بارودي، بينما يصبح السباق أقلّ حماوة مع الوصول إلى أسماء بقية المرشحين، القاضي الشرعي الشيخ سمير كمال الدين والمدير الإداري لمحكمة طرابلس الشرعية الشيخ وسام السمروط، والمشايخ: مظهر الحموي، أحمد كمون وأحمد المير.
من الناحية الإدارية برزت الشكوى التي أعلنها المرشح كمون عن التأخّر الذي اعتبره متعمّداً بإبلاغه عن إجراءات تعيين المندوب عنه يوم الاقتراع، مبدياً انتقاده الشديد لعدم اللياقة التي تعامل بها من وصفهم بـ»فريق الأمر الواقع» في دار الفتوى.
تظهر الملامح السياسية في انتخابات إفتاء طرابلس من خلال الاصطفافات للنواب والقوى السياسية، ليتضح أنّ أصوات «معسكر 8 آذار» تنقسم بين مرشّحين اثنين: الشيخ محمد إمام والشيخ سمير كمال الدين. فالنائب فيصل كرامي يدعم كمال الدين، والنائب جهاد الصمد يدعم إمام، بينما بدأ عدد من رؤساء البلديات في الضنية المحسوبين على الصمد يتجهون نحو بارودي.
ومن خارج طرابلس، تجري النائبة السابقة بهية الحريري اتصالات مكثفة داعمة لكمال الدين، لتلتقي في دعمه مع القيادي في «حزب الله» محمد صالح الذي يبادر إلى الاتصال بعدد من أعضاء الهيئة الناخبة طالباً دعم كمال الدين.
اللافت هنا أنّ الانطباع بأنّ الشيخ إمام هو المرشح المحايد أو غير المحسوب على الأحزاب سقط لصالح انكشاف أنّ أغلب مؤيديه ومعظم فريقه محسوبون على «محور الممانعة»، ما يجعله في الضفة المقابلة للمزاج العام لمدينة طرابلس ويضعه أمام خسارة شريحة كبيرة من المتعاطفين معه على أساس صورته الأولى، والتي يبدو أنّ ألوانها تغيّرت في السياسة.
في الخريطة السياسية أيضاً يجمع الشيخ بارودي بين دعم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وتأييد النائب أشرف ريفي، كما سجّل ترحيب النائبين إيهاب مطر وكريم كبارة، بالإضافة إلى ما يزيد عن عشرة من أعضاء مجلس بلدية طرابلس والشخصيات البارزة في المجتمع الاقتصادي والمدني الطرابلسي والشمالي.
من بين سائر المرشحين، كان الشيخ بارودي الأكثر وضوحاً في مقاربة التحديات التي تواجهها المؤسسة الدينية وطرابلس، فقدّم برنامجاً طموحاً، احتوى مصارحة واضحة حول الواقع السيئ الذي تعيشه دار الفتوى نتيجة انعدام الثقة بمسارها طيلة السنوات الماضية، والتي كان منها السنوات الثلاث التي شغل فيها الشيخ إمام منصب الإفتاء بالوكالة.
شملت هذه المصارحة ضرورة إنهاء كلّ مظاهر الفوضى وعدم الكفاءة، لإدخال الطاقات والكفاءات ولتأمين الشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص في تنمية الأوقاف وإعادة التكافل الاجتماعي، والمصارحة الأهمّ تلك المتعلقة بترسيخ الشراكة الوطنية وبناء جسور التواصل بين كلّ أهل طرابلس والشمال، مهما كان مذهبهم أو طائفتهم أو دينهم، على قاعدة التعاون للخير العام من خلال التعاون مع المرجعيات الدينية، وهنا إشارة واضحة إلى حتمية التعاون الإسلامي المسيحي وإلى احتضان أبناء جبل محسن وإنهاء ذيول الصراع المؤلم في هذه البقعة الحساسة من المدينة، وهي قضية مسكوت عنها في طروحات بقية المرشحين.
هذه البنود الصريحة ستكون أمام امتحان صندوق الاقتراع يوم الأحد المقبل، فهل تقترع الهيئة الناخبة لخيار الاستقرار والشراكة، أم تقترع لخيار تكرار الخيارات الجامدة منذ عقود والتي انتهت بحالة انهيار للمؤسسة الدينية تشبه الانهيار السائد في البلد بالأسباب والنتائج؟