رست انتخابات إفتاء طرابلس على فوز الشيخ محمد إمام باثنين وثمانين صوتاً ونيل الشيخ بلال بارودي 30 صوتاً والشيخ مظهر الحموي 7 أصوات، في مشهد حمل أبعاداً سياسية ودينية بعد سلسلة تغييرات شهدتها التحالفات وصبّت في النهاية لصالح الشيخ إمام، مع ما يعنيه ذلك من تحديات ستواجه دار الفتوى على المستويات الداخلية والخارجية على حدٍ سواء، نتيجة الاصطفاف السياسي الناتج عنها.
شاركت الهيئة الناخبة في الاقتراع بنسبة قاربت السبعين في المئة، وحضر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ووزير الداخلية بسام مولوي والنواب وأعضاء المجالس البلدية والقضاة الشرعيون والمدنيون، وترأس العملية الانتخابية الوزير الأسبق عمر مسقاوي، بينما كان حضور العلماء كثيفاً.
فوز الشيخ إمام مدعوماً بمروحة سياسية واسعة يعطيه فرصة لتحقيق تقدّم نوعيّ، طالما أنّ ميقاتي وتيار المستقبل والنواب، باستثناء اللواء أشرف ريفي، قد صوّتوا له، وقد هنّأه الجميع وأعلنوا وقوفهم إلى جانبه، لأنّ هذا الاقتراع والالتفاف يُرتّبان نتائج يفترض أن تظهر في المرحلة المقبلة، تسهيلاً لعمله ومساندة له في الإصلاحات المطلوبة ودعماً في استرجاع حقوق الأوقاف المسلوبة، وانفتاحاً على تطوير الإدارة والتعاون مع المجتمع المدني في سبيل تحقيق هذه الطموحات.
وأثبتت النتائج أنّ الشيخ بارودي يستند إلى حالة دينية ومدنية معتبرة لا يمكن تجاهلها في مقاربة الوضع في طرابلس والشمال، خاصة أنّه من الذين دفعوا ثمن الدفاع عن هوية المدينة وتوجّهاتها السيادية، عندما استُهدف بالتفجير على منبره في آب 2013 واتّسم موقفه آنذاك بالانضباط ورفض منطق الثأر والاحتكام إلى القانون، كما أنّه من خلال مسجد السلام، يقوم بنشاط دعوي واجتماعي مؤسساتي يتراكم منذ سنوات.
كذلك ظهر اسم الشيخ مظهر الحموي الذي تميّز بثباته على مواصلة الترشيح ورفض الضغوط السياسية للانسحاب، وبقدرته على تظهير رؤيته بشكل واضح إعلامياً واجتماعياً ودعوياً.
اليوم أصبح الشيخ محمد إمام مفتياً منتخباً وهو الذي خبِرَ واقع دار الفتوى وما يحمله من عوائق وما يمكن أن ينتج من فرص ومبادرات حول قضايا الأوقاف وغيرها، وكذلك في ما يتعلّق بإدارة الشراكة الإسلامية المسيحية، والانفتاح على جميع مكوِّنات طرابلس والشمال، وكذلك، إشكالية التعامل مع الآفات الاجتماعية التي تخترق جسد المجتمع الشمالي، وخاصة المخدّرات والمساعدة في تعزيز الأمن الاجتماعي.
يبقى أن يستفيد الشيخ إمام من تجربته بكونه تولّى منصب القائم بأعمال مفتي طرابلس والشمال وأمانة الفتوى، ليطلق مرحلة جديدة تقوم على استقطاب جميع عناصر القوة والكفاءة لصالح دار الفتوى والأوقاف، وبالاستناد إلى مكانته المرموقة لدى الجسم الديني والمرشحين الذين نافسوه بكلّ احترام، فإنّ باستطاعته فتح الآفاق نحو نهوضٍ تنتظره المؤسسة الدينية وطرابلس منذ عقود طويلة.
مقصد الطرابلسيين ومحلّ ثقتهم
وُلد الشيخ محمد إمام في طرابلس – عام 1963م. متأهل وله أربعة أولاد. يحمل شهادة القسم الثاني – علوم اختبارية وإجازة جامعية في الشريعة الاسلامية من معهد طرابلس الجامعي، وإجازة جامعية في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، بالإضافة إلى دبلوم في الشريعة الإسلامية من جامعة بيروت الاسلامية، وحاز إجازة في التلاوة من شيخ القراء في طرابلس الراحل الشيخ محمد صلاح الدين كبارة، وإجازة علمية في عدد من الكتب والمراجع العلمية من العلامة الراحل الشيخ عثمان الصافي، كما شارك في مسابقة القرآن الكريم العالمية في مكة المكرمة ونال المرتبة الرابعة على مستوى العالم الإسلامي عام 1985، وهو عضو مؤسس في عدد من الجمعيات التربوية والاجتماعية في طرابلس.
عند تولّيه أمانة الفتوى، أصبح مقصد أهل طرابلس والشمال لاستفتائه في قضاياهم الخاصة والاجتماعية، وحاز ثقتهم ونال مكانته على نطاق واسع بعد سنوات من العمل الهادئ في هذا المجال.
منذ ثلاث سنوات، تولّى الشيخ إمام منصب القائم بأعمال مفتي طرابلس والشمال، فواجهته تحديات كثيرة، أبرزها الإصلاح الداخلي والظروف الخارجية القاهرة، فضلاً عن تطلّع أهل طرابلس إلى دور أوسع يملأ الفراغ المتّسع نتيجة الفشل السياسي وغياب المسؤولين عن شؤون مناطقهم.
كانت تلك التحديات امتحاناً قاسياً للشيخ إمام الذي وجد نفسه في كثير من الأحيان مكبّلاً بالقيود الإدارية وبضيق ذات اليد نتيجة العجز في ميزانية الأوقاف، فأخذ عليه كثيرون محدودية المبادرة، وأوجد له الآخرون الأعذار باعتبار أنّه لم يكن مفتياً أصيلاً.