لم يكن لبنان بنداً أساسياً في جدول قمة بغداد-2 التي انعقدت ليومٍ واحد في الأردن. ركّز المؤتمرون على العراق الذي منه ولأجله انطلقت فكرة المؤتمر، وعلى أرضه تمّ اللقاء الأول في شهر آب 2021، وفي بيانهم الختامي تمسّكوا بدعم إعادة بناء العراق دولةً ومؤسسات وإقتصاداً، ورفضوا أي اعتداء على أراضيه، في إشارة ضمنية إلى الإعتداءات الإيرانية والتركية المتكررة على شمال العراق، وعندما تحدثوا عن الاقتصاد أشادوا بالاجتماعات الثلاثية العراقية الأردنية المصرية وباتفاقات الربط والدعم بين بغداد ودول مجلس التعاون الخليجي.
بدت إيران ممثلةً بوزير خارجيتها حسين عبد الأمير اللهيان، ضعيفةً ومعزولة في مؤتمر بغداد-2، وكانت إشارات راعي المؤتمر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى دورها في دول الإقليم، بما في ذلك لبنان، بمثابة إدانة ضمنية، لم يتمكّن اللهيان من دحضها فذهب إلى تكرار ما فعله في لقاء بغداد الأول من إشادة بقاسم سليماني وسط سلبيةٍ كاملة من الحضور.
جاءت إيران إلى المؤتمر ربما لتربح وقتاً في ظل أزمتها الداخلية، عبر إعطاء إشارات عن استعدادها للتعاون مع الجوار، خصوصاً السعودية، ومحاولة استكشاف إمكانية استئناف المفاوضات النووية عبر لقاء مع منسّق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل. لكن لا شيء تغيّر في سلوك إيران لتتقدم السعودية خطوة إلى الأمام في العلاقة بين البلدين، أو ليبدّل الاتحاد الأوروبي موقفه بعد إعلانه عدم رضاه عن الردّ الإيراني على وثيقته النووية ثم انخراطه في حرب أوكرانيا، وأخيراً ذهابه في قمع شعبه إلى درجة لا يتحملها الرأي العام في أوروبا ولا يمكن لحكومات القارة أن تصمت عليه. لكنّ الضربة القاضية جاءت من أميركا. إذ فيما كان اللهيان يتحدث بتفاعل بعد لقائه بوريل، انتشرت تصريحات الرئيس الأميركي جوزيف بايدن المشيرة إلى أنّ الأتفاق النووي «قد مات»!
لم تهتم طهران كثيراً بمؤتمر بغداد-2 سوى من زاوية استئناف المفاوضات النووية، ومع أنّ ذلك قد يكون لحاجات داخلية في نفس يعقوب، ولو أنّ هذا الموقف في عدم الاهتمام يُضمر تمسكاً بالمنهج السياسي نفسه تجاه العراق والخليج ودول النفوذ الإيراني الأخرى، ما يعكس استمراراً في المشروع المذهبي أياه وإصراراً على سياسات كانت ولا تزال أحد أسباب احتجاجات الإيرانيين.
غاب لبنان، والذين تحدثوا عنه، خصوصاً كاترين كولونا وزيرة خارجية فرنسا، حرصت على التوجّه للبنانيين بأن لا ينتظروا الحل من ايران أو من المؤتمرين الآخرين، وإنما عليهم أن يسارعوا بأنفسهم إلى حلّ مشاكلهم وانتخاب رئيس لدولتهم. بدت فرنسا حريصةً على الفصل بين لبنان وأزمات المنطقة، رغم معرفتها بترابط مشاكله مع التدخلات الايرانية، فاحتفظت لنفسها بخط اتصال مع طهران يمكن أن يساعدها لاحقاً في تسويات تكرس لها دوراً في المشرق المتعثر. ولكن من يدري، فربما يكون موضوع بغداد-3 مستقبل إيران نفسها!