قام النظام السياسي اللبناني في فلسفته المؤسِّسة على ميزان دقيق من التقاسم والتعاون بين الطوائف، وعاش سنوات من الاستقرار بشّرت بإمكانية تخطي مرحلة التأسيس نحو دولة ديمقراطية تقوم على المواطنية وإحلال حقوق الفرد في أعلى سلّم أولوياته. لكن التطورات اللاحقة أظهرت استحالة هذا الأمر عندما اندثرت الدولة لمصلحة طوائفها المؤسِسة. تحولت الطوائف إلى عائق أمام تسيير شؤون النظام في مناسبات أبرزها حالتان. الأولى عندما ربطت قيادة الطائفة نفسها براعٍ أجنبي سيصبح قائداً مقرراً لشؤونها. والثانية عندما انعدم التنوّع داخل الطائفة نفسها، فتسلّط عليها طرف واحد يتم إختصاره بشخص سرعان ما يتحول في عيون أنصاره إلى إله جديد. شهد لبنان منذ بداية حروبه المتعددة الأهداف والأشكال، صعود طوائف وهبوطها، وبزوغ نجومٍ- قادة لها ثم اختفاءهم. تمّ ذلك في سياق صراعات وحروب استوجبت تحريضاً وتطرفاً لتحسين الشروط وتحصين المواقع ضد الآخرين من الطوائف الأخرى، وسعياً موازياً لاستجلاب دعم أجنبي يتم توظيفه في ميزان القوى الداخلي ليصبح في خدمة المموّل والراعي الخارجي. صعود القيادات الذين سيصيرون قادة معصومين، استوجب دماً وأساطير، فحلّ المتطرف مكان المعتدل، والفاجر محل التاجر، وتعلم الفاجر من التاجر شيئين: نهب الدولة والجمهور. مرّ كل زعماء الطوائف، تقريباً، بالتجربة نفسها. ودفعت الطوائف والمناطق وأبناؤها الأثمان الغالية، ومعهم دفع البلد الثمن الأكبر من وحدته واستقلاله وازدهاره إلى أن وصل إلى ما هو فيه الآن. الآن وصلت قيادات الطوائف إلى جدارها الأخير. قررت قضم الدولة فحلَّ الانهيار الشامل. جعلت من المناصب مكافأة شخصية فعجزت عن انتخاب رئيس أو تشكيل حكومة. وحّدت بعضها قوة السلاح والايديولوجيات المذهبية، وفرّق بعضها الآخر، جلود دببة لم تظهر في الأفق بعد. يحصل كل ذلك بسبب جعل المذهب يعلو على الطائفة والطائفة تعلو على الوطن والدولة، ولا حل في الأفق تنتجه «طوائف» نسيت بلدها، طائفتها الأولى والأخيرة. لذلك، عندما يكثر الحديث عن تدخل أجنبي لحل مسألة الرئاسة علينا أن نصدق. فالذي يعتمد في فرض نفوذه الداخلي على أجنبي، لن يفعل سوى ما يقوله هذا الأجنبي، وعند الامتحان يهان الزعيم الطوائفي أو ...» يهان»، من دون أي شعور منه بالإهانة.