كما تتفجّر الثورات في غير مكان من حول العالم، لم يكن نجاح "الثورة الإسلامية" في 11 شباط 1979 وليد تلك اللحظة بالذات، إذ لعبت ظروف ومعطيات وعوامل داخليّة وخارجيّة دورها في تغيّر المشهد السياسي في إيران آنذاك. واليوم، لم يكن تفجّر ثورة "المرأة، الحياة، الحرّية" لحظة مقتل الشابة الكرديّة مهسا أميني في 16 أيلول بعد اعتقالها على يد "شرطة الأخلاق"، منعزلاً عن مسار طويل بدأ يتبلور شيئاً فشيئاً في "البنى التحتية" المجتمعيّة، خصوصاً في أوساط جيل الشباب الرافض لثقافة "الجمهورية الإسلامية"، بالتزامن مع وضع اقتصادي مزرٍ يتدهور منذ سنوات نحو الأسوأ بفعل تفشّي الفساد في هيكل النظام برمّته وسياسات طهران "النووية" والخارجيّة التي ترتّب عنها عقوبات غربية، لا سيّما أميركيّة، كان لها وقعها القاسي على الداخل الإيراني.
بدأت المسيرة الفعليّة لـ"الثورة الإسلامية" منذ تشرين الأوّل 1977 مع انطلاق التظاهرات ضدّ حكم الشاه محمد رضا بهلوي، والتي لعبت خلالها القوى اليساريّة والعلمانيّة دوراً أساسيّاً إلى جانب القوى الإسلاميّة. وتدحرجت "كرة الثلج" مع الوقت وكبر زخم الحراك الشعبي عام 1978 في المدن الإيرانية، حيث اشتدّت وطأة التظاهرات والإضرابات بين آب وكانون الأول، ليُغادر الشاه إيران في 16 كانون الثاني 1979 ويعود روح الله الخميني من منفاه الباريسي في الأوّل من شباط ويُعلن نجاح "الثورة الإسلامية" بعد 10 أيّام في 11 شباط في ما عُرف بـ"عشرة الفجر".
نجاح "الثورة الإسلامية" آنـــذاك لم يحصل بيـن ليلة وضحاها، بل أخذ مساره التراكمي والتصـاعدي حتّى بلغ ذروتــه بإطاحة النظام الملكي وتشييد دعائم النظام الإسلامي، بعد القضاء على "شركاء" الثورة من قوى يساريّة وعلمانيّة عبر القتل والقمع والاعتقال والنفي، وبالتالي وضع المداميك الأساسية لـ"الجمهورية الإسلامية". وكلّ ذلك لم يكن ليُكتب له النجاح لولا عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية مواتية، تماماً كما يحصل اليوم بصورة معكوسة بوجه نظام "منتهي الصلاحية" ولو أن بطش "الحديد والنار" قد يُنعش "الجسد المتهالك" ويُمدّد فترة "الموت السريري" للمريض السياسي.

"ثورة الحرّية" التي تهزّ إيران اليوم ليست كسابقاتها من تحرّكات شعبيّة تفجّرت في "الجمهورية الإسلامية". فـ"الثورة الخضراء" (2009-2010) أتت كردّ فعل على ما اعتبرته المعارضة "الإصلاحية" آنذاك تزويراً للانتخابات التي أعلن النظام فوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بها. ونجحت القيادة الإيرانية بقمعها بالقوّة في شوارع العاصمة طهران ومدن أخرى. ليأتي بعدها حراك 2019 احتجاجاً على زيادة سعر البنزين وسط أوضاع معيشيّة صعبة. وعلى الرغم من خروج تظاهرات في مدن عدّة وإطلاق شعارات جريئة تُنادي بإسقاط نظام الملالي، إلّا أن الأخير استطاع لجمها مستخدماً "الحرس الثوري" و"الباسيج"، فقُتل من قُتل واعتُقل من اعتُقل، كما جرت العادة.
لكنّ مقتل مهسا أميني كان "الصدمة الدامية" التي أيقظت "وعياً ثقافيّاً" لم يكن له "تربته الخصبة" في السابق كما هي الآن. ليس بالأمر البسيط أن ترى طالبات المدارس والمعاهد والجامعات وأمّهات وأخوات وزوجات... يخلعنَ حجابهنَّ، أبرز رموز "شرعيّة النظام"، ويحرقنه ويدُسنه، ويطالبنَ بسقوط النظام الإسلامي ويهتفنَ "الموت للديكتاتور" و"الموت لخامنئي"، فضلاً عن اجتياح ظاهرة قيام الشباب بإزالة العمامات من على رأس رجال الدين الذين يُجسّدون نظام الملالي بين العامة. ولقد باتت صور مؤسّس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني والمرشد الأعلى علي خامنئي وقائد "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني، هدفاً للثائرين الذين يتعمّدون تشويهها وحرقها ودوسها، وكأنّهم بذلك يدوسون على حقبة كاملة ونهج كامل وعقليّة سائدة ما عادت تتناسب ومتطلّبات عيش الجيل الصاعد.
تُعتبر الأبعاد المجتمعيّة والثقافيّة والحضاريّة "حجر الزاوية" في الحراك الثوري الأخير. ولم يعد يشفع بالنظام تقديم تنازلات سياسية للشارع الذي يُطالب بسقوطه برمّته، علماً أن أي "تنازل كبير" للثورة سيكون بمثابة المسمار الأوّل الذي يضعه النظام بنفسه في نعشه. وما يُثير قلق صنّاع القرار في طهران وقم، هو امتداد رقعة الاحتجاجات لتطال كافة المحافظات والمدن، وبالتالي مختلف الإثنيات والمجموعات الطوائفية والطبقات الاجتماعية، واستمرارها بعد أكثر من ثلاثة أشهر من القمع، فيما اللافت أيضاً هذه المرّة بروز أصوات سياسيين وناشطين وصحافيين وفنّانين وممثلين ورياضيين... يُناصرون الثورة على نطاق واسع ويُطالبون بسقوط النظام ويواجهون الترهيب والقمع والقتل والسجن... وحتّى عقوبة الإعدام.
يلمس الإيرانيون، موالون ومعارضون، تغيّراً جذريّاً عميقاً في المزاج الشعبي، ينطلق من داخل البيت الواحد ليمرّ بأزقة الأحياء وشوارع القرى وساحات المدن وأروقة المؤسّسات وباحات المصانع والمصافي وملاعب المدارس وحرم الجامعات... تنجح "ثورة الحرّية" بفرض نفسها واقعاً معيوشاً على الأرض في أبسط الممارسات اليومية، على الرغم من مضايقات أنصار النظام، وهم كُثر، وبطش القوات المولجة حماية "الجمهورية الإسلامية". إيران بعد موت مهسا أميني لم تعد كما إيران بعد نجاح "الثورة الإسلامية". إيران تغيّرت "من تحت" بشكل واسع وعميق وقوي. وهذا التغيير سيفرض نفسه في موازين القوى الداخلية الجديدة.
وهذه الموازين الجديدة قد تُدخل البلاد في صراع أهلي دموي لا أحد يعرف أين وكيف ينتهي. لكنّ الحرب الأهليّة ليست حتمية بالضرورة، بينما التغيير "من فوق" حتمي في نهاية المطاف. نجاح "الثورة الإسلامية" أخذ مداه التاريخي بفعل تحوّلات طالت "البنى التحتية". و"ثورة الحرّية" تفجّرت بفعل تغييرات جوهريّة طرأت على هذه "البنى التحتية" بالذات، بعد 43 عاماً على إقامة النظام الثيوقراطي الحالي. والسنوات في "حياة" الأنظمة كما الأيام في حياة البشر. و"أيّام" الأنظمة التي تُناقض معطيات الحياة والطبيعة والواقع المعيوش، معدودة، ولو أن "دولاب" قلب الأنظمة وتشييد أخرى و"صراع العروش"، مكلف ومأسوي وبطيء في الدوران في الكثير من الأحيان.