لارا سيتراكيان

بنديكتوس السادس عشر: البابا القوي في زمن الاضطرابات

4 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

إعتُبِر البابا الفخري بنديكتوس السادس عشر واحداً من ألمع علماء اللاهوت في القرن الماضي وأحد أقوى رجال الكنيسة في آخر خمسين سنة.

لكنّ هذا الخليط غير المألوف من المعرفة الواسعة والنفوذ الهائل لم يخدمه، حتى أنه منحه على الأرجح درجة من الغطرسة التي غطّت على إرثه الحقيقي.



أصبح الكاردينال جوزيف راتسينغر البابا بنديكتوس السادس عشر في العام 2005، فوصل بذلك إلى أعلى منصب في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لأنه كان يمثّل، برأي شريحة واسعة من الكرادلة الكاثوليك وأتباعهم، القيم المحافِظة والاستقرار في زمن التحرر والتغيرات السريعة. لكنه استلم كنيسة تتلاحق فيها قضايا الاعتداءات الجنسية ومحاولات التستر عليها، فضلاً عن فضائح مالية وفاسدة أخرى.

وُلِد جوزيف راتسينغر في العام 1927، في بلدة صغيرة من بافاريا، ونشأ في عهد النظام النازي في ألمانيا، ورُسِم كاهناً بعد الحرب العالمية الثانية. ثم أصبح عالِم لاهوت وخبيراً في المجمع الفاتيكاني الثاني (بين العامين 1962 و1965)، ورئيس أساقفة ميونيخ في العام 1977، ثم رئيس مجمع العقيدة والإيمان في الكوريا الرومانية، في العام 1981.

في هذا المنصب الأخير، أصبح راتسينغر المسؤول عن العقائد في عهد البابا يوحنا بولس الثاني، فشارك في قيادة حملة المحافظين لإصلاح دوافع المجمع الفاتيكاني الثاني ضد ما اعتبره حركات عدالة اجتماعية ذات بصمة ماركسية. في الحياة العامة، قاد راتسينغر حملات ضد النسبية الأخلاقية والعلمانية، وأطلق تحقيقات سرية داخل الكنيسة عن علماء لاهوت بدؤوا ينحرفون عن العقائد أو الممارسات المحافِظة.

شَغَل راتسينغر أهم المناصب في الكنيسة لفترة طويلة، فكان الكاردينال الوحيد الذي صوّت خلال المجمعَين في العام 1978، ثم المجمع الفاتيكاني في نيسان 2005 بعد وفاة يوحنا بولس الثاني، أول بابا بولندي. إنه المجمع الذي انتخب راتسينغر كي يصبح بنديكتوس السادس عشر، أول بابا ألماني في التاريخ.

لم يتوقع الكثيرون هذا الخيار ولم يكن راتسينغر يسعى إلى انتخابه أيضاً. لقد بلغ حينها 78 عاماً، ما يعني أنه كان أكبر من يوحنا بولس الثاني بعشرين سنة عند انتخابه. أراد راتسينغر أن يتقاعد في بافاريا ويتفرّغ للكتابة بدل ترؤس كنيسة عالمية فيها 1.2 مليار كاثوليكي. هو أخبر الكرادلة الآخرين في المجمع الفاتيكاني أنه ليس مسؤولاً إدارياً، علماً أن الإدارة جزء من أهم واجبات البابا. لكن كان راتسينغر الكاردينال الذي يعرفه الناخبون الآخرون على أكمل وجه، فقد تعاملوا معه جميعاً طوال سنوات أو حتى عقود.

كان راتسينغر مدافعاً شرساً عن المعتقدات التقليدية، فهاجم "دكتاتورية النسبية" التي تطبع العالم المعاصر برأيه. ظن البعض أنه قد يكون جسر تواصل بين مختلف الجماعات أو شخصية انتقالية بعد موجة الحزن والعاطفة التي تلت وفاة البابا البولندي المحبوب.

عند انتخاب راتسينغر، احتجّ البعض لفترة قصيرة على تسجّله في منظمة "شباب هتلر" في شبابه، لكن لم تستعمل أبرز الجماعات اليهودية أو منتقدوه الاعتياديون هذا الحدث ضده لاحقاً. حين كان راتسينغر في سن المراهقة، اضطر للتسجل في تلك المنظمة، لكنه كان هزيلاً ومجتهداً جداً ولم يحضر الاجتماعات يوماً.

مع اقتراب نهاية الحرب، تم استدعاء راتسينغر البالغ من العمر 16 عاماً إلى الفيلق الألماني المضاد للطائرات، لكنه هرب منه قبل أن تلقي قوات الحلفاء القبض عليه ويُحتجَز في معسكر اعتقال أميركي لفترة قصيرة.

في المرحلة اللاحقة، دخل راتسينغر معهد تعليم اللاهوت فوراً ورُسِم كاهناً في العام 1951. في البداية، كان لاهوتياً إصلاحياً واضطلع بدور أساسي لفرض تحديثات كبرى على تعاليم الكنيسة وطريقة تطبيقها للحرية الدينية، والليتورجيا، والتواصل مع العالم. لكن مع نهاية المجمع الفاتيكاني الثاني خلال الستينات، بدأ يُعبّر عن تحفظاته بشأن وجهة الكنيسة، لا سيما ميلها إلى "التكيّف" مع الثقافة الطاغية بدل تحويل الثقافة إلى صورة عن الكاثوليكية.

زادت تلك التحفظات حين اتخذت التغيرات الحاصلة في الحياة والليتورجيا الكاثوليكية مسارات جذرية وغير متوقعة تزامناً مع تقبّل حريات مستجدة. تخلى آلاف الكهنة والراهبات عن الحياة الدينية، وتوقع الكثيرون إلغاء النذر البتولي خلال وقت قصير. لم تنتقل الطقوس الدينية من اللاتينية إلى اللغة العامية فحسب، بل أُضيفت ألحان الغيتار وعناصر معاصرة أخرى تتعارض مع أفكار راتسينغر التقليدية. كذلك، أُلغِيت تقاليد الصوم وتناول السمك في أيام الجمعة أو أصبحت اختيارية. نتيجةً لذلك، بدا كل شيء ممكناً ومُعرّضاً للزوال.

كانت الاضطرابات الاجتماعية التي اجتاحت المجتمع الغربي كفيلة بزعزعة راتسينغر ذي العقلية التقليدية أيضاً. أصبحت ميوله المحافِظة بعد العام 1968 أكثر وضوحاً، وزادت قبولاً وسط الفريق الذي يرغب في إرساء الاستقرار واستكمال عهد يوحنا بولس الثاني.

لكن رغم الآمال التي حملها الكثيرون حين أصبح راتسينغر الحبر الأعظم، لم يتخذ عهد بنديكتوس المنحى المُخطط له، فهو لم يحاول إرضاء الحشود يوماً وسرعان ما اعتبره الناس شخصية صعبة المراس، بدل أن يكون راعياً للشعب، بسبب تصرفاته الهادئة والرسمية في الأماكن العامة وتمسّكه بملابس البابا التقليدية المزخرفة، بما في ذلك حذاء أحمر ساطع وقبعات مزيّنة بفرو القاقم.

سرعان ما نشأت مشاكل أخرى في المرحلة اللاحقة. حين عاد إلى جامعته القديمة في "ريغنسبورغ"، في العام 2006، ألقى محاضرة تُشدّد على تفوّق المسيحية على الإسلام، فأجّج بذلك غضب المسلمين حول العالم. كما أنه صدم الجماعات اليهودية حين أعاد تأهيل قادة مجموعة يمينية منشقة من الكاثوليك التقليديين، وكان أحدهم معروفاً بإنكار محرقة اليهود. قال بنديكتوس لاحقاً إنه لم يكن مطّلعاً على تاريخه، لكن لم يقتنع الكثيرون بكلامه.

حرص بنديكتوس على التقرب من شخصيات تقليدية متنوعة ونشر وثيقة تسمح لها بإقامة القداس اللاتيني القديم الذي سبق قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني. كان هذا المجمع قد فتح المجال أمام تعديل القداس، فلم يسمح بالاحتفال بالطقس الكاثوليكي الأساسي باللغات المحلية فحسب، بل سمح بتقريب المذبح من المصلّين وتغيير وجهة الكاهن كي يقف قبالة الناس بدل أن يدير لهم ظهره.

لكن بدل استرضاء المعسكر التقليدي كما أراد بنديكتوس، أصبح الطقس اللاتيني القديم نقطة التقاء بين خصوم خَلَفه، البابا فرنسيس، الذي اضطر لوقف هذه الممارسات أخيراً. ابتكر بنديكتوس الأفكار عند الحاجة، لكنه بقي في خدمة الكنيسة المحافِظة بشكل عام، فصمّم طقساً جديداً مثلاً لجذب الأنجليكان المحافظين بعد استيائهم من تغيير تقاليدهم تدريجاً.

في غضون ذلك، ضعفت مكانة البابا على الساحة العالمية خلال تلك الفترة. عيّن بنديكتوس مساعده الأول في مكتب الأبحاث العقائدية، الكاردينال تارسيسيو بيرتوني، كوزير خارجية للفاتيكان: هو عالِم لاهوت يفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية وقد أعلن يوماً أنه يفضّل اعتبار نفسه "وزير خارجية الكنيسة". برأي مراقِب شؤون الفاتيكان، ساندرو ماجيستر، كان بنديكتوس يفضّل "تخفيف الجهود الدبلوماسية مقابل زيادة التركيز على الإنجيل".

لكنّ طريقة إدارة الكنيسة لم تكن أفضل من سياستها الخارجية. في العام 2012، انكشفت فضيحة "فاتيليكس" عند نشر سلسلة من الوثائق الداخلية التي تفصّل جميع أنواع الادعاءات المرتبطة بالفساد المالي والرشاوى والسلوكيات الفاضحة في الكوريا الرومانية. اعتُقِل خادم بنديكتوس الشخصي، باولو غابرييل، في نهاية المطاف وأُدين بتهمة تسريب عدد كبير من تلك الوثائق. كان غابرييل على ما يبدو جزءاً من جماعة داخلية تحارب خصومها لكسب النفوذ وتستعمل التسريبات لتحقيق غايتها. استمرت هذه الحملة بعد اعتقال غابرييل. عجز البابا عن وقف التسريبات وبدا وكأنه لا يحاول منعها أصلاً.

بدا بنديكتوس متعباً ومثقلاً بالأعباء. في 11 شباط 2013، خلال احتفال روتيني في القصر الرسولي، صَدَم البابا المسؤولين في الفاتيكان (أو من كانوا يفهمون اللغة اللاتينية التي تكلم بها على الأقل) حين أعلن أنه ينوي الاستقالة في نهاية الشهر، وهو أول بابا يتخلى عن كرسي القديس بطرس منذ 600 سنة. كانت استقالته أيضاً واحدة من استقالات بابوية نادرة في التاريخ.

في عمر السادسة والثمانين، ابتعد بنديكتوس عن الأضواء بعد ثماني سنوات في منصب بابا الفاتيكان. مهّد رحيله لانتخاب الكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوليو الذي حمل اسم البابا فرنسيس. بدأ هذا الأخير يلغي معظم مظاهر المشروع المحافِظ الذي كرّس بنديكتوس حياته لتطويره.

لكن بقي بنديكتوس شخصية مؤثرة رغم تقاعده، فابتكر لقب "البابا الفخري" لنفسه، واحتفظ بالرداء الأبيض المميز ولقب البابا، وعزل نفسه في دير داخـل أروقة الفاتيكان.

هذه الخطوات كلها أجّجت التوقعات وسط أشرس مناصريه الذين اعتبروه البابا الحقيقي. لكن حاول بنديكتوس كبح هذا النوع من التوقعات، فصرّح لصحيفة إيطالية في العام 2021: "كان قرار الاستقالة صعباً. لكني اتخذتُ هذا القرار وأنا بكامل وعيي، وأظن أنني قمتُ بخيار صائب. لا يزال جزء من أصدقائي "المتعصبين" مستاءً. هم لم يتقبلوا خياري... ولا يريدون تصديق قرار اتخذتُه بكامل إرادتي".

مع ذلك، تابع بنديكتوس الإدلاء بالتصريحات وإجراء المقابلات حول مسائل متنوعة، فبقي في عناوين الأخبار خلال فترة تقاعده التي كانت أطول من عهده كحبر أعظم.

كانت أكبر فضيحة تتعلق بالاعتداءات الجنسية التي ارتكبها رجال الدين. نشأت هذه الأزمة حين كان راتسينغر في ذروة نفوذه في روما، خلال التسعينات وبداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، لكنه أصرّ على التقليل منها مع أنه أدرك في أوساطه الخاصة عمق الاعتداءات ونطاقها.

حين أصبح راتسينغر البابا بنديكتوس السادس عشر، اتخذ خطوات مهمة لتأديب المعتدين وتجريدهم من صفة الكهنوت، حتى أنه قابل أحد ضحايا الاعتداءات، وهي خطوة غير مسبوقة. لكنه لام دوماً العالم العلماني على هذه الفضائح بدل توجيه أصابع الاتهام إلى الثقافة الكهنوتية في الكنيسة أو التكلم عن مسؤولية الأساقفة كونهم لم يحركوا ساكناً لتحسين الوضع. هذه القضايا عادت لتطارد بنديكتوس في بداية العام 2022. نُشِر تقرير حول التجاوزات التاريخية في ميونيخ، حيث كان رئيس الأساقفة بين العامين 1977 و1982، فتبيّن أنه شخصياً امتنع عن التحرك ضد كهنة متّهمين في أربع قضايا. لكن بدل تقبّل أي مسؤولية شخصية، أصدر بنديكتوس ومساعِده الشخصي وفريق محاميه دفاعاً قوياً واعتذاراً عاماً على الأخطاء المرتكبة تحت الضغط الشعبي.

سرعان ما احتدم الجدل على أوسع نطاق. اتّهم المتحدث الرسمي باسم بنديكتوس، وهو سكرتيره الشخصي القديم ورئيس الأساقفة جورج غانسوين، منتقدي البابا السابق بإنشاء حركة "لتدمير شخص البابا بنديكتوس وعمله". صرّح غانسوين لصحيفة إيطالية في شباط 2022: "هم لم يحبوه يوماً كفرد، ولم يحبذوا أفكاره اللاهوتية أو وصوله إلى منصب البابا".

عملياً، اتّضح إرث بنديكتوس قبل هذه المرحلة بوقتٍ طويل. كان جوزيف راتسينغر شخصية مثيرة للانقسامات منذ بداية مسيرته تقريباً، ثم زاد الجدل حوله عندما أصبح تحت الأضواء واكتسب نفوذاً متزايداً. كل من أحب البابا بنديكتوس السادس عشر في حياته سيتابع احترامه بعد وفاته. وكل من عارض رؤيته اللاهوتية أو سجله في إدارة الكنيسة سيعتبر حياته تجربة تحذيرية لمجمع الكرادلة المقبل حين يجتمع لانتخاب بابا جديد.