خلال حرب لبنان الطويلة حاول المسؤولون الكبار إقناع ما تسمى "عواصم القرار" بفكرة من خارج السائد: فصل الأزمة في لبنان عن أزمة الشرق الأوسط لتسهيل الحل في الوطن الصغير المعذب. ولم يكن ذلك في حسابات المستفيدين من الربط بين الأزمتين. لكن وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز أيام الرئيس ريغان حاول أن يجرب حظه. وهو يروي في مذكراته تحت عنوان "إضطراب" أن سلفه الدكتور كيسينجر قال له: لماذا تتعب نفسك في محاولة إيجاد تسوية صغيرة بدل بذل الجهد لترتيب تسوية إقليمية واسعة؟". كان جواب شولتز:" لن أشتري هذا الموقف". ثم حاول وانتهت الأمور الى طغيان أزمة المنطقة على أي تسوية في لبنان. ولم تصبح تلك التسوية متاحة في "إتفاق الطائف" إلا عندما إنتهت وظيفة الحرب المفيدة لإستثمارات قوى محلية وإقليمية ودولية، وصار الإستثمار في السلام أفضل.
اليوم تبدو أزمة لبنان مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالأزمات في الشرق الأوسط والتي لم تعد محصورة بالصراع العربي-الإسرائيلي. حتى إنتخاب رئيس للجمهورية، قبل الحديث عن تسوية الأزمات المالية والإقتصادية والإجتماعية، فإنه يبدو في حاجة الى ترتيب صفقات عدة في المنطقة لفتح الطريق المسدود. وأكثر ما يتحكم به هو حسابات المشروع الإقليمي الإيراني وحسابات القوى المعاكسة له. "حزب الله" يقول بصراحة إنه يريد رئيساً "لا يطعن المقاومة الإسلامية في ظهرها" ويكمل ما قدمه الرئيس ميشال عون من غطاء شرعي، لا فقط لدور السلاح خارج الشرعية في لبنان بل أيضاً لدوره الإقليمي. والقوى السيادية تريد رئيساً للجمهورية اللبنانية يضبط الإنتظام العام، وليس "جائزة ترضية" لأي طرف كما قال الرئيس فؤاد السنيورة، ولا يطعن لبنان في صدره. والقوى العربية والدولية تريد رئيساً إنقاذياً لا حصة لـ"حزب الله" فيه وحكومة إصلاحية خالية من وزراء "الحزب". والطريق مسدود على كل هذه الرغبات.
لكن الواقع الذي لا يزال الإعتراف به محل مكابرة لدى جماعة "الممانعة" هو أن المحاولات التي، أصابت بعض النجاح لأخذ لبنان الى "المحور الإيراني" وصلت الى حدودها القصوى وباتت محكومة بالفشل. فلا تغيير الطابع التاريخي والسوسيولوجي للبنان مسألة ممكنة ولو بدت سهلة. ولا أوضاع البلدان التي في "المحور" تسر العدو قبل الصديق. ولا "قلعة" المحور في إيران عصية على التغيير مهما أخذت ثورة "إمرأة، حياة، حرية" من وقت، ومارست السلطة من عنف وقمع وقتل.
والسؤال هو: هل نسينا ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل لإستثمار الثروة الغازية وما يعنيه في الإطار الجيوسياسي؟ وهل كانت المسألة هي فقط دور "حزب الله" في التوصل الى الإتفاق أم أيضاً الدور بعده؟ الجواب البسيط هو مخاطر الجمع، قبل صعوبته، بين دورين مختلفين: دور ضمان الهدوء، ودور العمل بالمقاومة وصولاً الى المواجهة. ولا مهرب من رئيس لموقع لبنان الجديد، لا الموقع القديم.
يقول والي نصر وراي تقية في "فورين أفيرز": إن "ما يقرر ميزان القوى في الشرق الأوسط ليس قضية فلسطين بل مصير الدول الفاشلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث يتمدد النفوذ الإيراني". والجديد هو وصول الفقر والإضطراب بانهيار العملة أمام الدولار الى إيران.