جيسيكات ماثيوز

العالم من منظور هنري كيسنجر... سِيَر شخصيات تاريخية مؤثرة

14 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

بعيداً عن الزعماء الذين يعيدون بلدانهم إلى الوراء بمختلف الطرق، من أمثال فلاديمير بوتين، وشي جين بينغ، وناريندرا مودي، وبنيامين نتنياهو، يفتقر العالم المعاصر إلى نماذج عن القيادة السياسية البارعة وطويلة الأمد. لهذا السبب، يبدو كتاب هنري كيسنجر الجديد، Leadership: Six Studies in World Strategy (القيادة: ست دراسات في الاستراتيجية العالمية)، مرجعاً قيّماً صدر في الوقت المناسب. يحلل كيسنجر قدرة القادة العظماء على التعامل مع الظروف التي يواجهونها، أو حتى تغيير الأحداث التاريخية المحيطة بهم بطريقة جذرية.


يحتل القادة الذين اختارهم كيسنجر مساحة واسعة من التاريخ في النصف الثاني من القرن العشرين. هو يصوّر كونراد أديناور، أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية، كرجل متواضع لدرجة أن يتحمّل العبء الأخلاقي المرافق لهزيمة هتلر، وهو قوي بما يكفي لمنح بلده المنقسم «الشجاعة للبدء من الصفر» وبناء ديمقراطية قوية هذه المرة، كما أنه ثاقب البصيرة لدرجة أن يلاحظ الحاجة إلى نشوء أوروبا موحّدة. تحمل الدراسات التي تتمحور حول شارل ديغول ولي كوان يو، مهندسا فرنسا وسنغافورة المعاصرة بعد حقبة الحرب على التوالي، طابعاً جديداً ومثيراً للاهتمام. ثم يُخصَّص الفصل المتعلق بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، وبدرجة أقل الفصل المرتبط بالزعيم المصري أنور السادات، لإعادة صياغة ما كتبه كيسنجر في مناسبات متكررة عن الانسحاب الأميركي من فيتنام، والانفتاح على الصين، والتعامل مع روسيا، والدبلوماسية المكوكية في الشرق الأوسط. وجد السادات أحياناً صعوبة في الخروج من ظل سَلَفه القوي، جمال عبد الناصر. لكن اكتسبت قصته أهميتها الخاصة خلال حرب العام 1973 مع إسرائيل والتداعيات الدبلوماسية للصراع، بما في ذلك اتفاقيات «كامب ديفيد» التي يعتبرها كيسنجر جزءاً من جهود مكثفة بذلها السادات لإنشاء «نظام جديد في الشرق الأوسط» (لكنها باءت بالفشل في نهاية المطاف). أما الدراسة الأخيرة، فهي تتمحور حول رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر التي يعتبرها كيسنجر منقذة المملكة المتحدة من دوامة التدهور المميت، لكن تضعف هذه الدراسة بسبب الوصف المتكرر لشخصيتها الدافئة و»الساحرة»: يصعب نَسْب هذه الصفات إلى زعيمة كانت معروفة، حتى وسط مناصريها، بقدرتها على إثارة أعمق الانقسامات ونزعتها إلى التنمر على الآخرين.



يوحي عنوان الكتاب الفرعي، «ست دراسات في الاستراتيجية العالمية»، بأن القرّاء سيتعلّمون كيفية معالجة التحديات الدولية الراهنة والمستقبلية، لا سيما تلك التي تحمل طابعاً عالمياً. لكن يتعثر الكتاب في هذا المجال لأنه لا يعرض بأسلوب مقنع الحقبتَين أو المكانَين اللذين طبعا مسيرة كيسنجر على مر حياته. تدور أحداث الحقبة الأولى في أوروبا، بين القرنَين السابع عشر والتاسع عشر، بدءاً من معاهدة وستفاليا وصولاً إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهي حقبة معروفة بسياسة ميزان القوى. قال نابليون يوماً إن فهم أي إنسان يتطلب معرفة أحداث العالم حين كان في العشرين من عمره. تجدر الإشارة إلى أن كيسنجر كتب أطروحة الدكتوراه في شبابه عن مؤتمر فيينا بين العامين 1814 و1815، ولم يتراجع تركيزه على تلك المرحلة والكفاءة السياسية التي اتّسمت بها يوماً. أما الحقبة الثانية، فهي الحرب الباردة التي شَغَل فيها كيسنجر منصباً حكومياً وعُرِفت بالمنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والبلدان الصغيرة التي أصبحت تابعة لغيرها تلقائياً في ذلك الصراع. يكتب كيسنجر أن الأشخاص الستة في دراسته كانوا «مهندسي النظام الدولي في حقبة ما بعد الحرب». قد يكون محقاً، لكن انتهى زمن ذلك النظام اليوم. أصبحت مظاهر الفوضى مختلفة للغاية راهناً، ولا تمنحنا هذه السِيَر القصيرة معلومات وافية عن الاستراتيجيات التي تسمح بكبح تلك الفوضى.



"فئران" ورجال

يعتبر معظم الأميركيين شارل ديغول حليفاً متغطرساً بشكلٍ لا يُطاق في حقبة الحرب العالمية الثانية، وهو المسؤول الذي اعتبره الرئيس فرانكلين روزفلت مصاباً بعقدة جان دارك. لكن يقدّم لنا كيسنجر رجلاً مختلفاً بالكامل، فهو يتمتع ببصيرة عسكرية مدهشة ومواهب سياسية هائلة. في حزيران 1940، كان ديغول جنرالاً فرنسياً مبتدئاً وقد أنهى للتو أسبوعَين كوكيل لوزير الدفاع. لكن حين اقتربت القوات الألمانية من باريس، سافر إلى لندن وطرح نفسه كزعيم للمقاومة الفرنسية وهو «لا يحمل إلا زيّه العسكري وصوته». لم تكن هذه الخطوة مجرّد إثبات على جرأته المفرطة، فهو أقنع رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل أيضاً بالاعتراف به «كزعيم لفرنسا الحرّة» ومنح قوات ديغول (لم تكن قد نشأت بعد) الحق بالتصرف وكأنها وحدات مستقلة تخضع لأوامر ضبّاطها. كان ذلك الأداء مبهراً بالنسبة إلى شخصٍ لم يكن يعتبر «السياسة فن الممكن بل فن أصحاب الإرادة»، كما يكتب كيسنجر.



كان خلاف ديغول مع حلفائه في زمن الحرب ينجم عن اختلاف أهداف المعسكرَين: سعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى هزم ألمانيا، بينما ركّز ديغول على تدمير حكومة فيشي و»تجديد ثقة فرنسا بنفسها» في أسرع وقت. في أواخر العام 1944، حين كان الفائز بالحرب غير واضح بعد، ظنّ ديغول أن فرنسا تحتاج إلى إعادة الانخراط في الدبلوماسية الدولية كلاعبة مستقلة وقرر مقابلة جوزيف ستالين. يتذكر كيسنجر أن ديغول عجز عن بلوغ موسكو بشكلٍ آمن ومباشر على متن طائرة فرنسية، لذا مرّ بطريق غير مباشر «عبر القاهرة وطهران نحو باكو في بحر قزوين، ثم ذهب في رحلة مدّتها خمسة أيام على متن قطار خاص»، فأصبح بذلك أول زعيم من قوات الحلفاء يناقش تسوية ما بعد الحرب مع زعيم سوفياتي. وحين أصبح رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة لاحقاً، طرح سلسلة من السياسات البارزة، بما في ذلك ترسيخ حق الاقتراع العام. لكن بحلول العام 1946، اعترض ديغول على السياسات التنفيذية الضعيفة في مسودات دستور فرنسا الجديد، فاستقال فجأةً وبدأ مرحلة من المنفى السياسي طوال 12 سنة. يعرض كيسنجر المناورات المعقدة التي استعملها الجنرال للعودة إلى السلطة وإطلاق عهد رئاسي قوي في الجمهورية الخامسة. لكن يغطّي هذا الفصل أحداثاً أخرى كثيرة، منها طريقة تعامل ديغول مع أزمة الجزائر، وإعادة إحياء العلاقات الفرنسية الألمانية، وسياساته النووية ومقاربته تجاه حلف الناتو، وبراعته في التعامل مع احتجاجات العام 1968 التي هددت بإسقاط الحكومة مجدداً لكنها انتهت بنشوء «أول أغلبية مطلقة لصالح كتلة سياسية واحدة في تاريخ الجمهوريات الفرنسية».



يعترف كيسنجر بأن ديغول قد يكون «متغطرساً، وبارداً، وفظاً، وتافهاً»، لكنه يؤكد في المقابل على أنه «الزعيم الوحيد الذي أثبت قوة حدسه في القرن العشرين». كان يتحلى أيضاً بالشجاعة الكافية لتطبيق قناعاته مهما كانت مختلفة عن الآراء الشائعة. بعد أكثر من نصف قرن على وفاته، يمكن اعتبار السياسة الخارجية الفرنسية «ديغولية» حتى الآن برأي كيسنجر، فهو «يُعتبر شخصية تاريخية فريدة من نوعها: إنه رجل متحفظ، وعميق، وشجاع، ومنضبط، ومُلهِم، ومستفز، وملتزم بقِيَمه ورؤيته لأقصى حد».



يُعبّر كيسنجر أيضاً عن إعجابه بمؤسس سنغافورة المعاصرة، لي كوان يو. على غرار ديغول، حوّل لي طموحاته إلى واقع ملموس، فأسّس بلداً ناجحاً ومستقراً. على مر ثلاثة عقود في السلطة، نجح لي في تحويل جزيرة صغيرة وفقيرة يسكنها شعب منقسم من الصينيين، والهنود، والملايو، وجماعات تفتقر إلى أي قواسم مشتركة من حيث التاريخ أو اللغة أو الثقافة، إلى دولة متماسكة تسجّل أعلى دخل فردي في آسيا. حقق لي هدفه جزئياً عبر سحق المعارضة السياسية سريعاً ثم حَكَم البلد من دون مواجهة أي مقاومة. لقد كان مبتكراً على نحو استثنائي في سياساته الاقتصادية والاجتماعية وفي قدرته على بث روح وطنية من «النجاح المشترك»، ففرض أربع لغات رسمية (الملايو، والماندرين، والتاميل، والإنكليزية)، وأنفق ثلث الميزانية الوطنية في سنواته الأولى على التعليم. كذلك، حدّد لي حجم الحصص والمداخيل لمختلف الجماعات العرقية للتخلص من مظاهر التمييز العنصري في قطاع الإسكان، وتحدّى المفهوم الاقتصادي الشائع حينها عبر الاستعانة بشركات متعددة الجنسيات. حتى أنه حارب الفساد، وخفّف التلوث، وزرع الأشجار، وكان يتلقى تقريراً أسبوعياً حول نظافة دورات المياه في المطار حيث يأخذ المستثمرون الأجانب أول انطباع عن بلده. كذلك بنى لي، برأي كيسنجر، أقوى قوات مسلّحة في جنوب شرق آسيا. لكنّ الخطوة التي امتنع عنها لي هي ترسيخ الديمقراطية في سنغافورة. في ملاحظة تحذيرية مضافة، يستنتج كيسنجر أن النمو الاقتصادي قد لا يكون كافياً للحفاظ على تماسك سنغافورة الاجتماعي. بعبارة أخرى، سيضطر البلد يوماً لتحسين التوازن بين «الديمقراطية الشعبية والنخبوية المعدّلة».



أخيراً، كانت سياسة لي الخارجية متقنة، فهو تصدى لماليزيا وأندونيسيا في جوار بلده، واعتبر سنغافورة «فأرة» وسط «الفِيَلة» حين واجه تهديداً وشيكاً من القوى العظمى، ثم حرص على دراسة عادات «الفِيَلة» عن قرب. أصبح لي في نهاية المطاف مستشاراً محترماً لبكين وواشنطن، فأوصى الولايات المتحدة «بعدم التعامل مع الصين كعدوّة منذ البداية»، إلا إذا دفعت هذه المقاربة بكين إلى «تطوير استراتيجية مضادة للقضاء على الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ». في المقابل، حذّر لي حكّام الصين حول أهمية أن يدرك الصينيون الأصغر سناً «الأخطاء التي ارتكبتها الصين بسبب غطرستها وتجاوزاتها الفكرية» ويتعلموا «التعامل مع المستقبل بكل تواضع ومسؤولية». لقد فهم لي، قبل معظم المسؤولين الآخرين، طبيعة المعضلات التي يطرحها النمو الصيني، لا سيما في واشنطن، ودعا القادة على جانبَي المحيط الهادئ إلى منع تحوّل المنافسة الحتمية إلى حرب شاملة. يصعب قراءة تحذيرات لي من دون أن نتمنى سماع موقف مماثل من شخصية بالمكانة نفسها اليوم.



عودة إلى مجزرة تاريخية

يبقى تعامل كيسنجر مع نيكسون مألوفاً بالنسبة إلى قرّاء كتبه السابقة. لا يمكن التمييز بين أدوار الرئيس وكيسنجر الذي شَغَل منصب مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية، إلا في بعض الحالات الاستثنائية القليلة. يتبنى هذا الفصل في معظمه أسلوباً دفاعياً. في ما يخص الانسحاب المطوّل من فيتنام، يظن كيسنجر أن «النزعة المثالية الصالحة التي ألهمت فرضية المسؤوليات الدولية وحافظت عليها بعد حقبة الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة أصبحت الآن نقيضاً صريحاً للدور الأميركي العالمي». لا يستطيع كيسنجر، لا سابقاً ولا حاضراً، أن يعترف بأن معارضة الرأي العام والنخبة للحرب لم تكن مجرّد نتاج للنزعة المثالية المبهمة أو الأخلاقيات المبنية على التعاطف. في ما يخص موقف زميله الواقعي هانز مورغنثاو مثلاً، كانت تلك المعارضة تشتق أيضاً من منطق صارم مفاده أن الحرب تُهدد مصالح الأمن القومي الأميركي.



لكن يتعلق جانب جديد في هذا الفصل بنقاش مطوّل لأزمة العام 1971 في المساحة التي شملت حينها أجزاءً منفصلة من شرق باكستان وغربها. أصبح هذا الجزء من التاريخ منسياً في مرحلة معينة، مع أن القوات المسلّحة لغرب باكستان المدعومة من الولايات المتحدة أقدمت حينها على ذبح بين 300 و500 ألف شخص من شرق باكستان وتوافد حوالى عشرة ملايين لاجئ إلى الهند. لكن عادت تلك المجزرة إلى الواجهة بعدما نشر عالِم السياسة غاري باس من جامعة «برينستون» كتابThe Blood Telegram: Nixon, Kissinger, and a Forgotten Genocide (برقية الدم: نيكسون، وكيسنجر، والإبادة الجماعية المنسيّة)، في العام 2013. نشأت هذه الأزمة حين اختار الناخبون في شرق باكستان زعيماً دعا إلى استقلال المنطقة عن باكستان، فأمر الدكتاتور العسكري الذي يحكم البلد، يحيى خان، جيشه بسحق الحكومة الإقليمية المُنتخَبة حديثاً. لم تعترض الولايات المتحدة على ذلك القرار علناً أو في أوساطها الخاصة، وتابع نيكسون وكيسنجر تزويد باكستان بالأسلحة سراً، بما في ذلك طائرات مقاتلة من طراز «ف-104»، وذخائر، وقطع غيار، رغم تحذيرات المحامين في وزارة الخارجية والبنتاغون والموظفين في البيت الأبيض حول عدم قانونية عمليات نقل الأسلحة.



في النهاية، ظنّت رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي أن الطريقة الوحيدة لوقف تدفق اللاجئين تقضي بوضع حد لعمليات القتل. أقدمت الهند على غزو شرق باكستان، وسحقت الجيش الباكستاني، ومهّدت لاحقاً لتأسيس بنغلادش المستقلة. لكن كانت الهند، رغم تمسّكها بمبدأ عدم الانحياز، قد أقامت حديثاً علاقة صداقة مع الاتحاد السوفياتي وعقدت معه ميثاقاً لتقديم المساعدات العسكرية. يزعم كيسنجر أن ذلك الميثاق حوّل الصراع من «تحدّ إقليمي وإنساني إلى أزمة ذات أبعاد استراتيجية عالمية». خلال فترة الغزو، أرسل نيكسون سفناً من الأسطول الأميركي السابع إلى خليج البنغال، ودعا الصين إلى تهديد الهند عبر نقل القوات العسكرية إلى الحدود المشتركة بين البلدَين.



ينسب كيسنجر المعارضة الشرسة التي أبداها الدبلوماسيون الأميركيون في شرق باكستان ومسؤولون آخرون في واشنطن تجاه سياسة نيكسون إلى «المدافعين عن حقوق الإنسان»، فقد دعا هذا المعسكر إلى إطلاق «مبادرات رمزية كبرى». هو يؤكد على امتلاك باكستان أسلحة هائلة في تلك المرحلة، ما يعني أن رفض الولايات المتحدة كان «ليُضعِف النفوذ الأميركي» بكل بساطة. هو يعترف أيضاً بأن الموقف الأميركي تأثّر بِتَوَلّي يحيى خان دور الوسيط الأساسي في حملة الإدارة الأميركية الرامية إلى تجديد العلاقات مع الصين في عهد ماو تسي تونغ. لكن يكتب كيسنجر أن «المأساة التي شهدها شرق باكستان تزامنت للأسف مع نقاشاتنا حول تاريخ وأجندة رحلتي السرية الوشيكة إلى بكين وزادتها تعقيداً». ما كانت الإدارة الأميركية لتتخذ أي خطوة تجازف بتهديد تلك العملية، حتى لو كان ذلك الاحتمال مستبعداً. (لا يوضح كيسنجر أن أول رحلة حاسمة حصلت في تموز 1971، وهو توقيت كان يتماشى مع سياسة البيت الأبيض في المرحلة السابقة لكنه لا يفسّر بطريقة مُرضِية الصمت المستمر خلال الأشهر اللاحقة).



في الوقت نفسه، بدأت مشاعر خبيثة ومتعصبة تنتشر ضد الهند. استناداً إلى تسجيلات نيكسون التي كانت سرّية سابقاً، يثبت باس أن كيسنجر ونيكسون كانا يؤججان مواقف بعضهما البعض. قال الرئيس إن الهند تحتاج فعلياً إلى «مجاعة جماعية» وأنه لا يفهم «ما يدفع الناس إلى التزاوج في ذلك البلد المشؤوم». في هذه المحادثات، ظهرت أنديرا غاندي بصورة «الساحرة» أو «العاهرة المُسنّة». يقول كيسنجر في مرحلة أخرى إن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تسمح بتواطؤ الهند مع الاتحاد السوفياتي، ما يعني «انتزاع أحد أصدقائنا منا». من الواضح أن تلك المواقف أثّرت على السياسات المعتمدة، رغم إصرار كيسنجر على عدم ارتباط طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع الأزمة بما يسمّيه «غياب التعاطف». (هو يستخف بهذا المصطلح أيضاً حين يقول إن جزءاً من المحادثات لم يكن يعكس أي شكل من الرقي الأخلاقي).



أكثر ما يثير الدهشة هي الاستنتاجات التي يستخلصها كيسنجر الآن من تلك الأزمة المأسوية. تلك المرحلة التي كانت منسيّة سابقاً باتت تُعتبر اليوم «نقطة تحوّل في الحرب الباردة» بسبب تورط الصين المحتمل، حتى أنها قد تكون «أول أزمة ترتبط بطبيعة أول نظام عالمي حقيقي في تاريخ العالم». يرفع كيسنجر سقف تحليلاته بدرجة إضافية حين يفترض أن «حرباً عالمية على بنغلادش كانت ممكنة». لا يشكك الكثيرون بإقدام نيكسون وكيسنجر على التلاعب بالعلاقات الأميركية المحورية مع الصين والاتحاد السوفياتي في آن، أو زيادة القيمة الاستراتيجية لتجديد العلاقات مع الصين في العام 1971 بما يفوق أهمية استقلال شرق باكستان. مع ذلك، تتعدد الأسئلة التي تبقى عالقة حتى الآن. هل كان ذلك الانفتاح يشترط أن تتخذ واشنطن هذا النوع من المواقف؟ وحين تتطلب السياسة في أي نظام ديمقراطي شكلاً من السرّية بسبب توسّع معسكر المعارضة، متى تعطي هذه المقاربة نتيجة إيجابية على المدى الطويل؟ وهل تُمهّد الأعمال غير القانونية التي تقوم بها الحكومة (نقل الأسلحة في هذه الحالة) لتخفيض عتبة السلوكيات السيئة، ما يدفع الآخرين، داخل الحكومة وخارجها، إلى مخالفة القانون؟ وهل يمكن إيجاد توازن أفضل من الذي تحقق عبر التوفيق بين المخاوف الواقعية في مجال المصلحة الوطنية واحترام حياة البشر، بما في ذلك حياة أصحاب البشرة السمراء وغير المسيحيين؟ لا يمكن إيجاد أي أجوبة على هذه الأسئلة في الكتاب.



الــــــحــــــاضــــــر مــــــخــــــتــــــلــــــف

في الفصل الأخير من الكتاب، يكتب كيسنجر أن الشخصيات الواردة في دراساته عاشت في عصرٍ ذهبي عندما بدأ النظام الأرستقراطي الذي أنتج الأجيال السابقة من القادة يندمج مع مبدأ الجدارة الجديد والراسخ في الطبقة الوسطى. أدرك رجال الدولة الأرستقراطيون أنهم يعجزون عن التمسّك بمناصبهم، فشعروا بأن واجبهم يفرض عليهم أن يخدموا الناس. في غضون ذلك، تقاسم قادة من بلدان مختلفة، لكن من طبقة اجتماعية واحدة، «تعاطفاً يتجاوز الحدود الوطنية». طالما يتمسّك النظام الأرستقراطي بقيم ضبط النفس ويقدّم الخدمات العامة بنزاهة، يميل القادة برأي كيسنجر إلى رفض الطابع التعسفي في الحُكْم الشخصي، ويحكمون بلدانهم بناءً على مكانتهم والضغوط الأخلاقية. لكن عند مراجعة أحداث التاريخ، يتّضح لنا أن القادة نادراً ما يسيرون في هذا الاتجاه.



في المقابل، بات مسار النجاح يتوقف على الذكاء والتعليم والاجتهاد في عصر القيادة المبنية على الجدارة بعد الحرب العالمية الثانية. عندما تداخلت الحقبتان، استفاد الأفراد من أفضل ما يقدّمه هذان العالمان. لكن بدأ عصر الجدارة ينهار الآن برأي كيسنجر. لم يعد المجتمع يتنبه إلى شخصية الأفراد، وبدأ التعليم في المدارس الثانوية والجامعات يتجاهل العلوم الإنسانية، فينتج «ناشطين وتقنيين» بدل المواطنين. لم تعد دراسة العلوم الإنسانية رائجة وسط الطلاب، لكن يبقى هذا النقد مبالغاً فيه. يزعم كيسنجر أن «جامعات قليلة تُعلّم الطلاب فن الحُكم»، لكن يتجاهل هذا الادعاء تكاثر مدارس السياسة العامة المخصصة لتلقين هذه المادة تحديداً في العقود الأخيرة.



يشتكي كيسنجر أيضاً من نزعة النخبة المعاصرة إلى «التكلم عن التعبير عن الذات أو عن تقدّمها الخاص أكثر من الواجبات». توحي هذه الفكرة بأن الواجب الاجتماعي لا يمكن التعبير عنه إلا عبر الخدمات الحكومية. لكن كيف يمكن في هذه الحالة تقييم النمو الهائل الذي تشهده المنظمات غير الحكومية من حيث العدد والحجم والطموحات منذ الستينات، منها جمعيات خيرية، وجماعات للإغاثة والخدمات الطبية والإنسانية، ومنظمات بيئية وبحثية، ومجموعات لتنمية المجتمع؟ تتألف هذه الجماعات في معظمها من أشخاص يعبّرون عن حسّهم الفردي بالالتزام الاجتماعي. لا أحد يستطيع التشكيك بأهمية الشخصية، لكن تكثر مظاهر الحنين التفاؤلية في الرؤية التي يطرحها كيسنجر عن الماضي، من دون أن يُركّز بما يكفي على وقائع الحاضر.



يقدّم كيسنجر حججاً أكثر قوة حين يبتعد عن طبيعة القيادة ويتطرق إلى العلاقات بين الصين، وروسيا، والولايات المتحدة. تعليقاً على الخصومة العميقة بين واشنطن وبكين، يظن كيسنجر أن الصين تتوقع الاحترام من الآخرين نظراً إلى حضارتها القديمة وتقدّمها الاقتصادي الحديث. في المقابل، تفترض الولايات المتحدة أن قِيَمها الخاصة عالمية ويُفترض أن يتبناها الناس في كل مكان. يصطدم كل طرف منهما بما يعتبره الطرف الآخر مصالحه المحورية. ونظراً إلى هذه الصدامات واختلاف الرؤية العالمية التي يحملها كل فريق، ستضطر القوتان لتعلّم كيفية «الجمع بين المنافسة الاستراتيجية الحتمية ومفهوم التعايش وكيفية تطبيقه». إنه تشخيص معروف على نطاق واسع. لكن لا يتطرق كيسنجر إلى طريقة تحقيق هذا الهدف، وهو جانب شائع في كتاباته.



في الملف الروسي، يظن كيسنجر أن هذه القوة العظمى السابقة ستبقى مؤثرة طوال عقود، رغم تراجع عدد سكانها وتضيّق قاعدتها الاقتصادية. هو يحذر من «مفهوم انعدام الأمان» الراسخ في تاريخ روسيا نظراً إلى أراضيها الشاسعة وغياب الدفاعات الجغرافية فيها. إنه تحذير صائب. عبّرت كاثرين العظمى عن هذا الخوف الغريب حين قالت يوماً: «لا أملك أي طريقة للدفاع عن حدودي بل لتوسيعها». إذا انضمّت أوكرانيا إلى الناتو، يقول كيسنجر إن حدود الحلف ستصبح «على بُعد 300 ميل من موسكو»، ما يعني زوال العمق الاستراتيجي الذي اتكلت عليه روسيا دوماً. لإنهاء الصراع الراهن، يقضي الحل من وجهة نظره بنشوء نسخة أوكرانية حيادية، لكنه لا يوضح ما يجب فعله لضمان أمن أوكرانيا حين تصبح دولة عازلة محايدة، إذ سبق وتعهدت روسيا مرتَين باحترام سيادة أوكرانيا: حين حصلت كييف على مقعد مستقل في الأمم المتحدة غداة تفكك الاتحاد السوفياتي، ثم في مذكرة بودابست، في العام 1994، حين انتسبت أوكرانيا إلى «معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية»، والتزمت روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة رسمياً «بالامتناع عن استعمال القوة أو التهديد باستخدامها لانتهاك سيادة الأراضي والحدود الأوكرانية المتعارف عليها».



كان كيسنجر من أهم مراقبي السياسة الخارجية الأميركية لفترة تفوق أعمار جزء كبير من المسؤولين الحاليين، ما يعني أنه واسع الاطلاع بقدر أي خبير في الشؤون الدولية وقناعات كبار اللاعبين الدوليين اليوم ونقاط ضعفهم. هو يتمتع بذاكرة شبه خارقة قد لا يضاهيها أحد، ويعرف طريقة عقد الصفقات الدولية وأسباب فشلها. تختلف ظروف القرن الواحد والعشرين بشدة عن الحقبات التي يعرفها كيسنجر بحذافيرها (الأعوام 1814، و1950، و1975)، فقد أصبحت الحدود الوطنية أكثر قابلية للاختراق، وتكمن الأصول الأساسية اليوم خارج الدول القومية، ويتوسّع تأثير اللاعبين غير الحكوميين بدرجة هائلة، بدءاً من منظمة «كير» الدولية وصولاً إلى المجرمين. كذلك انتهت الحرب الباردة، وتطرح الترسانات النووية والأسلحة السيبرانية الرخيصة واضطرابات المناخ تهديدات وجودية بارزة، وأصبحت القوة الأميركية النسبية أضعف بكثير مما كانت عليه عندما كان كيسنجر مسؤولاً في الحكومة. أخيراً، يختلف الناخبون في جميع أنحاء العالم اليوم عن نظرائهم في زمن الحرب الباردة وما قبلها، لذا من المنطقي أن نشكك بأهمية نماذج القرن العشرين التي يطرحها كيسنجر بالنسبة إلى القادة المتعثرين اليوم. لهذه الأسباب كلها، يستطيع كيسنجر أن يقدّم مساهمات أكثر قيمة لو أنه يتخلى عن الماضي ويستعمل معارفه لتحليل ظروف الحاضر والمستقبل.