شادي الياس

كيسنجر في مئة عام

2 كانون الأول 2023

12 : 52

مئة عام من حياة مهندس التّاريخ وصَانِعَهُ في العالم. إنه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية السابق الذي توفيّ عن عمر ناهز المئة عام.

قائد السياسة الخارجية الذي عاش حياته بين صانع حروب ومثبّت السلام، دهاؤه وحنكته جعلته يتدخّل في أدقّ التفاصيل بين الدول وعلاقاتها، كان عرّاب المفاوضات وفرض الإرادة الأميرّكية حول العالم.



لا أحد في العالم من مختلف المجالات لم يسمع بإسمه، لكنّ العالم إنقسم حوله بين مؤيدٍ ومعارض. لمراحله جولات، منها تفوّق في الحرب الباردة ومنها تراجع وتقرّب من الصين، محطات تاريخيّة لا يمكن تخطّيها مثل القدرة والنجاح بعقد لقاء بين الرئيس الصينيّ والرئيس الأميركيّ بمشهد أدهش العالم. لكنَّ نقاط رصيده بكسر قوّة الخصم كانت بالإنقسام العاموديّ الذي سبّبه في الصين الإشتراكية. وكان له الدور الرئيسي في إنهاء الحرب في فيتنام حيث تمّ تكريمه بجائزة نوبل للسلام.



الذي يُتابع تصريحاته في أيامه الأخيرة أبرزها في حرب اسرائيل – غزة، يلاحظ أن الرجل لم يكن يتعاطى، ينظر وينظّر في الملفّات الدولية فقط لأنه حصل على منصب الخارجية. إنما الرجل الذي يأخذ على عاتقه التدخّل في مجرى التاريخ لا تؤثر على مسيرته مناصب أو غيابها.



كيسنجر رجل إستراتيجي بإمتياز، يُعتبر مدرسة إدارة العلاقات الدولية والتأثير بها. وما لا يمكن إنكاره هو تأثير إنتمائه الديني على قراراته، منذ نشأته في العائلة الهاربة من جرائم النازيّة بحق اليهود في ألمانيا، تركت تأثيراً كبيراً عليه بالحاجة الى التمسك بمنطق القوة وفرضها على الغير للحفاظ على الوجود. لذلك دائماً كانت قرارته منطلقة من مبدأ مصلحة اليهود أولاً، وإنحيازه كان عائقاً جديّاً في مسار العديد من المفاوضات الدولية، وبالتالي يمكن إعتبار أن أسلوب التعامل الأميركي مع العالم بمنطق الإستعمار والإستكبار تعود أسبابه الى الحروب التي سببتها النازيّة.



كان للغرب حصّته الكبيرة من تأثير كيسنجر على أوضاعه عبر التاريخ، بين أوروبا والأمييكيتّين، وكل تفاصيل المراحل ومسار السقوط والتقدّم قد كان برعايته. كذلك يمكن إعتباره عرّاب سقوط الإتحاد السوفياتيّ.



في الشرق الأوسط أيضاً، كثيرة هي ملفّات التدخل الأميركي في المنطقة عبر التاريخ. في كل دولة من دول الشرق الأوسط وضع كيسنجر مصالح لدولته جعلته يتحكم في ساحة الصراع الدولي.


وللعالم العربي عبر التاريخ صفحات من مقاومة الإمبريالية. إعترف كيسنجر في قوة وتماسك العديد من الدول العربية كما يمكن إعتبار إشعال ثورة الربيع العربي كان بمبادرة أميركية مروراً بسقوط صدّام حسين وصولاً الى الثورة التركية التي كادت أن تطيح بالرئيس التركي. كذلك أيضاً الدعم المطلق لأوكرانيا في حربها مع روسيا وأخيراً وليس آخراً رأي كيسنجر بحرب اسرائيل وتأثيره بالدعم الكامل ضد حماس.



لا نستطيع الكتابة عن كل القضايا سوى ذكر عناوينها فقط، ملايين الأوراق، الوثائق والأسرار موجودة في وزارة الخارجية الأميركية يمكن إعتبارها أكبر مكتبة في التاريخ في العالم وأسراره.

موت كيسنجر عن عمر مئة عام لا يمكن إعتباره موتاً، لأن تأثيره وخريطة العالم التي رسمها، ستبقى مستمرة الى اجيالٍ واجيال.