لا تخلو أي ولاية رئاسية أميركية من فترات عصيبة وضاغطة على الرئيس بشكل خاص والإدارة بشكل عام، قد تقصُر أو تطول بحسب القضيّة أو القضايا وحجمها وتداعياتها وطريقة معالجتها والظروف المحيطة بها وشخصيّة الرئيس. لكن يبقى الثابت أن للمكتب البيضوي، الموقع الأكثر تأثيراً على الساحة الدولية، متاعبه التي غالباً ما تتّسع بفعل الصراع السياسي والحزبي على النفوذ والسلطة في واشنطن.
لم يكد الرئيس الديموقراطي جو بايدن يهنأ بنبأ تراجع التضخم من أعلى مستوياته عند 9.1 في المئة في حزيران إلى 6.5 في المئة في كانون الأوّل، حتّى أتته فضيحة "وثائق بايدن السرّية"، التي تعود إلى فترة تولّيه منصب نائب الرئيس باراك أوباما والتي عُثر عليها داخل مكتب سابق له في مركز "بن بايدن" للأبحاث المرتبط بجامعة بنسلفانيا، فضلاً عن وثائق أخرى وجدت في مرآب وفي غرفة مجاورة له داخل منزله الفخم في ويلمينغتون بولاية ديلاوير، لتوجّه له صفعة سياسية داخليّة جديدة كان بغنى عنها، خصوصاً بعد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب.
فلقد زادت هذه القضيّة من شهيّة الجمهوريين لفتح ملفات الإدارة الديموقراطية الحاليّة والدائرة المحيطة ببايدن، الاستشارية والعائليّة، والتحقيق بالتجاوزات والفساد والإخفاقات وسوء الإدارة في أكثر من ملف، تمهيداً للوصول إلى طرح عزل بايدن ومسؤولين آخرين إذا لزم الأمر، كما يُطالب بعض الصقور في الحزب الجمهوري المحافظ. فالمشرّعون الجمهوريّون يعتبرون أن الديموقراطيين لم يرحموا الرئيس السابق دونالد ترامب على هذا الصعيد، ولعبوا كلّ أوراقهم المجلسيّة والقانونيّة للإطاحة بترامب، وصولاً إلى محاولة عزله مرّتَين.
وبالتالي، يرى الجمهوريون أن عليهم أن يضغطوا بكلّ قوّتهم السياسيّة والتشريعيّة لجعل الفترة المتبقيّة من رئاسة بايدن صعبة عليه وعلى حزبه، تماماً كما فعل الديموقراطيّون إبّان رئاسة ترامب عندما كانت لديهم غالبيّة في مجلس النواب. وبالفعل، فقد بدأ المعسكر الجمهوري تحقيقاً برلمانيّاً يوم الجمعة الماضي يتعلّق بالانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية من أفغانستان في العام 2021، والذي قُتل خلاله 13 جنديّاً أميركيّاً في تفجير انتحاري أمام مطار كابول.
وإضافةً إلى "الفشل الاستراتيجي" في أفغانستان، هناك مروحة واسعة من القضايا التي قد يفتح مجلس النواب تحقيقات فيها، منها أنشطة نجل الرئيس هانتر بايدن التجارية والمالية غير القانونية، فضلاً عن إهمال إدارة بايدن أمن الحدود والسماح بتدفّق المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود الجنوبية مع المكسيك، وضياع مليارات الدولارات من خطّة الإغاثة الفدرالية من جائحة "كوفيد"، ورفض بايدن السماح بالتوسّع في إنتاج الطاقة داخل الولايات المتحدة، وغيرها من الملفات الحسّاسة التي تستهدف في نهاية المطاف عزل بايدن.
وكان للكشف عن "وثائق بايدن السرّية" تأثير على إعادة تسليط الأضواء على أنشطة ابنه هانتر، خصوصاً أن بعض تلك الوثائق عُثر عليه داخل منزل الرئيس الديموقراطي في ويلمينغتون، حيث يتردّد هانتر. وهنا طُرحت علامات استفهام كثيرة حول هويّة الزوّار الذين يتردّدون إلى هذا المنزل وما إذا كانت لإبن بايدن معرفة بتلك الوثائق السرّية وقدرة على الوصول إليها واستخدامها وإطلاع أصدقائه وشركائه عليها، وتأثير كلّ ذلك على الأمن القومي الأميركي.
ولطالما اتّهم الجمهوريّون الرئيس الديموقراطي وابنه هانتر، الذي له تاريخ حافل مع إدمان المخدّرات، باستغلال منصب جو بايدن عندما كان نائباً لأوباما لتأمين مقعد لهانتر في مجلس إدارة شركة الغاز الأوكرانية العملاقة "بوريسما"، على الرغم من عدم امتلاكه أي مؤهّلات أو خبرات تُبرّر ذلك. ووصل الأمر ببايدن آنذاك للضغط على كييف من أجل إقالة مدّع عام أوكراني كان يُحقّق بملفات فساد عن الشركة، لحماية مصالح ابنه، الذي نسج شبكة علاقات نفعيّة متشعّبة مع شركات وجهات أجنبية عدّة، من بينها صينية. لهذا، يسعى الجمهوريون إلى التحقيق في كافة الأنشطة الماليّة والتجارية المشبوهة لهانتر.
وملف الهجرة غير الشرعيّة التي أغرقت الولايات الأميركية، لا سيّما الجنوبية، بأعداد قياسيّة ضخمة من المهاجرين، لا يقلّ أهمية عن ملف فساد عائلة بايدن. ويُعطي الجمهوريّون أهمية بالغة لأزمة الحدود الجنوبية "المفتوحة" وللتدفّق المرعب لقوافل المهاجرين غير الشرعيين إلى الأراضي الأميركية، الأمر الذي يُهدّد الأمن القومي الأميركي على مستويات عدّة. كما يربط الجمهوريون تساهل الإدارة الأميركية وعدم ضبطها الوضع عند الحدود الجنوبية، بعمل كارتيلات المخدّرات التي تجني أرباحاً طائلة من جرّاء تنظيمها وتسهيلها العبور الهائل للمهاجرين عبر الحدود المكسيكية - الأميركية، إضافةً إلى نقل المخدّرات إلى الداخل الأميركي.
وكان لافتاً ما أعلنته إدارة مكافحة المخدّرات الأميركية على هذا الصعيد نهاية العام الماضي، إذ كشفت مصادرتها عام 2022 كمّيات من "الفنتانيل"، الذي يُعتبر أقوى بـ50 مرّة من الهيرويين، تكفي لقتل جميع سكان الولايات المتحدة، محذّرةً من أن "الفنتانيل" بات المخدّر الذي يُشكّل "أكبر خطر على الحياة" في البلاد، وهو بمعظمه مصنوع مخبريّاً بكلفة منخفضة في المكسيك على يد كارتيلات المخدّرات بمواد كيماويّة مستوردة من الصين.
ومع تعيين وزير العدل ميريك غارلاند، روبرت هور، مدّعياً عامّاً خاصّاً لديه صلاحية التحقيق مع أيّ شخص أو كيان قد يكون انتهك القانون في قضية "وثائق بايدن السرّية"، بات الرئيس الديموقراطي يواجه تحدّيات داخليّة صعبة وتحقيقات عدّة مرتقبة قد تؤدّي إلى إطلاق إجراءات لعزله. وبدء عملية إجراءات عزل الرئيس الأميركي ينبغي أن ينطلق من مجلس النواب، الذي له حق اتهام الرئيس، ولا تحتاج هذه العملية إلّا لغالبية بسيطة لتمريرها، أي نصف عدد الأعضاء إضافةً إلى نائب واحد، وهو أمر في متناول الجمهوريين.
أمّا محاكمة الرئيس فتحصل في مجلس الشيوخ، حيث سيكون من الضروري الحصول على أصوات ثلثي الأعضاء من أجل تمرير قرار عزل الرئيس، وهو أمر لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة، ولا يبدو أنّه سيحصل مع بايدن الذي يتمتّع حزبه بالغالبيّة في "الشيوخ". لكن يبقى السؤال: هل ستقف كلّ هذه القضايا عائقاً في وجه بايدن وتمنعه بالتالي من إعلان إعادة ترشّحه لولاية ثانية في العام 2024؟