لا أحد يعرف متى تدق الساعة لقلب الطاولة على مفاعيل ما كان بقوة الأمر الواقع تسليماً سمي تسوية سياسية. لكن كل شيء يؤكد أن التسوية ولاّدة أزمات ومآزق، وتحتاج كل يوم إلى تسوية فرعية لا تدوم. فلا الجولات الداخلية لوزير الخارجية بكل ما تثيره ويثار حولها هي بداية التاريخ. ولا حادثة قبرشمون الدامية، على خطورتها، هي نهاية العالم. ولا المسألة هي مجلس عدلي أو لا مجلس عدلي، كحجة عطلت الحكومة هذه المرة، وأسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري الماضية بحجة أنها رفضت تحويل شهود الزور إلى المجلس العدلي.
المسألة هي المتغيرات التي تتحكم بحاضر لبنان ومصيره. والمشكلة هي الإشتغال بالألعاب الصغيرة التي تحجب الأنظار عن اللعبة الكبيرة، وإن كانت تساهم في نجاحها. الألعاب الصغيرة التي كانت ولا تزال "الرياضة الوطنية" في لبنان تنجح في توتير المناخ السياسي، وتوحي أن مصير لبنان يتقرر بالمعارك المحلية وبشكل خاص بمعركة الوصول إلى رئاسة الجمهورية. وعنوان اللعبة الكبيرة هو قول الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله "إن مصير لبنان يتقرر في ساحات المنطقة".
وإذا كان لبنان، على مدى التاريخ، ملعباً للعبة الأمم، فإن "حزب الله" بات يقوم بدور لاعب إقليمي ضمن المشروع الإيراني المسمى "محور المقاومة والممانعة". ولبنان منصة مهمة للمشروع الإيراني، وساحة للدفاع عن الجمهورية الإسلامية إذا نشبت حرب بينها وبين أميركا. وهو جزء مما يحدث بالتدرج إجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا: إلغاء حدود سايكس بيكو عملياً والحفاظ على الشكل.
لكن ما يأكل حيوية لبنان في الداخل هو ما يسميه والتر راسل ميد "محور السوس". وما ينساه الذين يدمنون الصراعات ويتجاهلون التوازنات هو أنهم يلعبون فوق أرض تغيرت الدنيا من حولها. فالصراعات والتوازنات في الجبل كانت أساس اللعبة السياسية في لبنان. أما اليوم، فإن اللعبة الجيوسياسية تجاوزت التاريخ والجغرافيا وأصبح مركزها خارج الجبل. وكل شيء على طريق المشروع الإقليمي الإيراني في مواجهة قوى ليس لديها مشروع سوى الرهان على دولة يصعب قيامها في نظام الغلبة الطائفية والمذهبية.
وأكثر ما يشبه السجال الدائر مسرحية عبثية لصموئيل بيكيت. بطلا المسرحية يتجادلان والرمل يتكدس حولهما ثم فوقهما إلى أن يغمرهما. ونحن في سجال مستمر، والأخطار تتراكم فوقنا. والفارق الوحيد أن أبطال مسرح الواقع يتصرفون كأن الأخطار ستغمر الناس، لا هم.