يتم تعميم سجالات قانونيين - ولا نقول حقوقيين - ومتطفلين على البحث الدستوري اللبناني لم يتابعوا منذ سبعينيات القرن الماضي الدراسات المقارنة حول النظرية الدستورية العالمية والأنظمة البرلمانية التعددية. هذه السجالات هي التعبير الصارخ حول اضطراب الثقافة الدستورية في لبنان مع تحويل مئوية الدستور اللبناني ومرور أكثر من ربع قرن على ميثاق الطائف إلى مناسبات مجرد احتفالية أو توثيقية.
حادثتان هما مدار نقاش في المجلس النيابي ومراجعة طعن أمام المجلس الدستوري. إنهما معبران عن الحاجة القصوى إلى استعادة سلطة المعايير في لبنان. نعني مشروع قانون العفو العام والقانون رقم 45 تاريخ 26/7/2026 حول انتظام المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية رقم 2009/66.
تشكو ذهنية دستورية لبنانية سائدة من هيمنة المجلس النيابي اللبناني على حساب مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها. وتتعامى هذه الذهنية، مؤخرًا، عن إدراج قضيتين غريبتين عن صلاحية المجلس النيابي: مشروع العفو العام وإدارة الجامعة اللبنانية.
1. الصلاحية القضائية: إن العفو العام في النظرية الدستورية المعاصرة هو حصري للغاية.
لا يشمل إطلاقًا، في مختلف الشرعات الدولية والاجتهادات الدستورية، جرائم عديدة في كل ما يتعلق بالجيش والمال العام والإرهاب... وحتى صلاحية العفو الممنوحة لرئاسة الدولة أصبحت بالغة المحدودية وحصرية للغاية والاستثناء:
Stéphanie Fournier, « Amnistie et grâce », ap. Alland et Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 45-47.
ما يثير الاستغراب، بالرغم من وجود مجلس قضاء أعلى بقيادة بالغة الحكمة، غياب إعلام قضائي جدي، وغياب قضاة في سبيل توضيح واقع السجناء والمحكومين. تحول ما يوصف بموجب التحفظ إلى موجب الكسل. خلال عضويتنا للمجلس الدستوري في السنوات 2009- 2019 أصدرنا أكثر من 16 كتابًا حول كل أعمال المجلس في سبيل التعريف بواقع المؤسسة. وأدخلنا الإعلام إلى المجلس الدستوري، ليس لإفشاء أسرار مذاكرة، وليس لتبرير قرارات، بل حرصًا على التواصل بين القضاء الدستوري والمجتمع، وبهدف تعميم الثقافة الدستورية. ورد في وسائل إعلام أن المجلس الدستوري هو رائد الشفافية:
Le Conseil constitutionnel devient un pionnier de la transparence, L’Orient-Le Jour, 18-19/4/2015.
هل القضاة الجزائيون (ولا نقول مجلس القضاء الأعلى في رئاسته وكل أعضائه) غير معنيين بواقع السجناء والمحكومين؟ إن مشروع العفو العام خرق لمبدأ الفصل بين السلطات وزج المجلس النيابي في شأن قضائي وأحكام قضائية هي من الصلاحية القضائية حصرًا.
2. إدارة الجامعة اللبنانية: بمعزل عن أي اعتبار شخصي في ما يتعلق بالجامعة اللبنانية ورئيسها شخصيًا، والأرجح واقعيًا بسبب تراكمات في الحياة العامة ومسار الجامعة اللبنانية في الواقع اللبناني الحالي، تم أيضًا زج المجلس النيابي في شأن داخلي متعلق بالجامعة اللبنانية وإدارتها الداخلية واستقلاليتها.
واجه الحكماء في ميثاق الطائف أصعب قضية في النظرية الدستورية العالمية وفي الأنظمة البرلمانية التعددية، وهي التوفيق بين المشاركة power sharing والفصل بين السلطات. ورد 14 اقتراحًا في هذا المجال في سياق وساطة April Glaspie (18 كانون الثاني إلى 26 آذار و 15 أيار 1987). رصدنا هذه الاقتراحات في كتابنا: جذور وثيقة الوفاق الوطني-الطائف، وخلال مشاركتنا في الوساطة الألمانية-الأوروبية-الفاتيكانية بعد الاتفاق الثلاثي (المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة "وثائق"، رقم 107، 198 ص).
تم الفصل بين السلطات من خلال اعتماد المادة 49 الجديدة المتعلقة برئيس الجمهورية "رئيسًا للدولة"، ملك دستوري (ماروني) غير وراثي، ومجلس وزراء مع كامل الصلاحيات الحكومية، ومجلس نيابي يمارس أدوارًا ثلاثة أساسية: التشريع والرقابة، والوساطة (ولا نقول الواسطة) بين النواب والمناطق في الدفاع عن الحقوق والتنمية المحلية المتوازنة.
عضو المجلس الدستوري 2009-2019