د. نبيل خليفه

الأب أنطوان خليفة والبولسيّة الجديدة

19 كانون الثاني 2023

02 : 00

الأب أنطوان خليفة

غاب عنا الرجل الذي كان حضوراً دائماً في عقولنا والقلوب. وتوقّف القلب الخافق بالايمان والمحبة. المحبة التي تشمل الجميع ولا تستثني أحداً. وأصيبت الحركة، حركة الفكر والروح، والمكان والزمان بتجربةٍ استثنائية كونها تطاول شخصاً استثنائياً جعل حياته كلها حراكاً في خدمة الله والانسان. لقد فقدنا الأب أنطوان خليفه الراهب اللبناني الماروني، وكنّا من قبل قد فقدنا شقيقه الأب لويس خليفه، أباءً أحباء من دوحة الطيبين الطاهرين!

مع هذين الأخوين العالميْن كان لنا تاريخ من النضال والعمل. فلقد تمّ اختياري مديراً مسؤولاً لمجلة «بيبليا» اللاهوتيّة، وهي المجلة اللاهوتيّة الوحيدة في العالم العربي برعاية ونشاط الأب لويس خليفه، كما اختارني الأب انطوان خليفه مستشاراً له في رئاسة جامعة الروح القدس الكسليك، منذ منتصف التسعينات حتى مطلع القرن الحادي والعشرين (1995-2000). وهذه المهمة تسمح لي بالإضاءة على نواح من حياة الأب أنطوان خليفه وتفكيره وخياراته وعلاقاته مع شخصيات عصره.

أولها: دعوة الرئيس رفيق الحريري لزيارة المنطقة الشرقية (المسيحية) بعد الأحداث واتفاق الطائف. وكان الأب أنطوان خليفه يحظى من جانب الحريري بتقدير خاص يتجاوز كافة التيارات المسيحية المارونية. وتمت الزيارة في 14 شباط 1994 إلى المدرسة المركزية للرهبانية المارونية في جونيه من خلال ندوة ضمت قيادات مسيحية. وتمّ التوافق بين البطريرك بطرس صفير والآباتي تابت والأب خليفه على تكليفي بإلقاء ما اسمته الصحافة في اليوم التالي: بالكلمة – الموقف. فعرضت الكلمة للهموم التي يعاني منها المسيحيون بعد اتفاق الطائف وعدم التوازن في السلطة وعدم الالتزام بمندرجات الوثيقة.

ثانيها: القرار بالمشاركة في مؤتمر العلاقات العربية - الأميركية الذي دعت إليه الجامعة الأردنية في عمان (10-12 نيسان 2000) وهو بعنوان: «الرؤية المستقبلية للعلاقات العربية الأميركية في القرن الحادي والعشرين» وشاركت فيها نحو ثمانين جامعة من مختلف الدول العربية وبينها جامعة الروح القدس الكسليك، حيث قدّم ممثلها في المؤتمر خلاصة رؤية مميّزة وشرحاً جيوبولوتكياً لهذه الرؤية بحيث استحقت الحصول على جائزة المؤتمر!

وقد جاء في خاتمة البحث حول هذه الرؤية انّه «في الكلام على العلاقات العربية - الأميركية تختلط دائماً في ذهن الانسان العربي عوامل المرارة والاعجاب والضغينة والقطع (مع اميركا) والوصل (معها) حتى من دون وصال. ذلك انّ منطق الحياة المتطوّرة وثورة الانفو- ميديا تدق أبواب بيوتنا وأفكارنا كل يوم فلم نعد قادرين على العيش خارج الجغرافيا ولا خارج التاريخ. وهي رؤية تفرض علينا مسبقاً ما يسمى «النهضة العربية الثانية» أي ايجاد الأجوبة المناسبة على المسائل الكبرى: الهوية والدولة والحرية والتاريخ... إنّ الاتصال بين العرب وأميركا هو في القرن الحادي والعشرين أشبه بقدريّة يكاد يستحيل الخروج منها أو عليها. المهمّ ان تكون الرؤية المستقبلية من جانبنا مبنية على عوامل موضوعية وخلقية – ثقافية ونيو- استراتيجية تستوحي ثقافة السلام واحترام الآخر ومصالح العالم العربي... وعلينا قبل كل شيء الكفّ عن تصور المستقبل والشروع في بنائه لأنه سيكون ما تصنعه أيدينا».

ثالثها: البولسية الجديدة، وجوهرها في الدور المميّز الذي قام به بولس الرسول في تاريخ المسيحية، فلقد انتقل من كونه يهودياً متعصباً يخاطب شعباً واحداً يعنيه هو الشعب اليهودي المختار، إلى داعية يخاطب كل شعوب الأمم عبر ثقافته اليونانية التي اكتسبها في مدينة تارس (Tarse) التركية حيث عاش. يقول جوزف راتزنغر (البابا بندكيتوس السادس عشر) «إنّ القوّة التي حوّلت المسيحية الى ديانة عالميّة تكمن في مألفتها بين العقل والايمان والحياة» ولقد كان بولس الرسول اول من حقق هذه المألفة لذا، فهو سيّد عصره وأكثر فهو سيّد كل العصور.

لقد عمل الأب أنطوان خليفه، طوال حياته على ارساء وتحقيق مبدأ الأخوة الانسانية بين كافة المؤمنين قبل اعلان وثيقة الأخوة الانسانية للبابا فرنسيس والشيخ أحمد الطيّب. وكما عمل المتنوّرون على ارساء أسس النهضة العربية الأولى، عمل هو بكل كدّ واجتهاد على ارساء أسس النهضة العربية الثانية، على قواعد العقل والايمان والحياة.

رحل الأب أنطوان خليفه، ولكنه كان وسيبقى جزءاً أساسياً من حياتنا. لأهله العزاء، وله السماء. آمين.

(*) باحث في الفكر الجيوسياسي