عيسى مخلوف

وقفة من باريس

هل صحيح أنّ الموهبة وَهْم؟

21 كانون الثاني 2023

02 : 01

كركي مُحاضرة عن أهمية العمل الجماعي

ذات يوم، كان ألبير كامو يجوب الأحياء الفقيرة في الجزائر العاصمة برفقة أحد أصدقائه الفرنسيين. وكان هذا الأخير ينظر من نافذة السيّارة ويتعجّب لرؤية أطفال حُفاة يركضون ويصيحون في أحياء مُغبَّرة يضطرّون فيها إلى ابتكار ألعابهم الخاصّة. أمام اندهاش صديقه، قال كامو الذي عاش في تلك الأحياء، طفلاً ومراهقاً، في منزل متواضع لا يوجد فيه كتاب واحد: "بين هؤلاء الأطفال، يوجد أكثر من موزار وأكثر من مُبدع". لكنّها البراعم التي لا تتفتّح في الغالب بسبب الظروف القاسية التي تنوجد فيها. وهكذا، هناك أطفال يموتون حتى قبل أن يولدوا. غير أنّ كامو كان ينتمي إلى الاستثناء، ولقد ساعده في الانتقال من حالة إلى أخرى، أستاذه في المدرسة لْوي جيرمان، وإليه أهدى الكاتب الفرنسي خطابه الذي ألقاه في السويد بمناسبه نيله جائزة نوبل للآداب في العام 1957.

تذكّرتُ هذه الحادثة بعد أن قرأتُ كتاباً عنوانه "الموهبة وَهم"، صدر أخيراً عن دار "لاتيس" الباريسيّة للباحثة اللبنانية، عالمة الأحياء والعلوم الإدراكيّة، سماح كركي. في كتابها هذا، عملت المؤلّفة على تفكيك مفهوم الموهبة واستكشفت الأساطير التي تكمن وراء علاقتنا بالنجاح، من خلال تسليط الضوء على عوامل كثيرة، اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة، تجعل من الممكن تفعيل العقل وتطوير مهارات كثيرة، من دون إنكار تأثير الجانب الوراثي والاستعداد الفطري، كما أنّها دعت إلى التخلّي عن السباق المحموم لتحقيق التمايز بأيّ ثمن، من أجل التمتّع بمكانة اجتماعيّة وبلوغ مناصب السلطة.

في هذا السياق، ومن خلال تجريد الموهبة من هالتها الغامضة، تتحدّث الكاتبة عن الأثر الذي تتركه علينا بيئاتُنا المعيشيّة ودور العائلة وعلاقاتنا بالآخرين ورغباتنا وتطلّعاتنا، وكذلك لعبة المصادفات. من الأمثلة التي تتوقّف عندها تجربة موزار الذي وُلد في بيئة فنّية عالية، إذ كان والده ليوبولد هو نفسه موسيقياً أيضاً، ولقد عاش ابنه تحت رعايته وتفتّقت عبقريّته في ظلّه.

صحيح أن ليس في إمكان الجميع بلوغ ما بلغته هذه التجربة النادرة، لكنّ تحقيق الذات أمر ممكن، لا سيّما في الوقت الراهن، مع الإمكانات الهائلة المتاحة وسهولة الوصول إليها، ومع التطوّر العلمي، التقني والتكنولوجي، الذي ضاعف من إمكانيّة تحقيق أحلام كان من المتعذّر تحقيقها بسهولة. ولئن كان ثمّة مبدعون يستطيعون القفز فوق الوقت لإنجاز عمل ما، فالعمل نفسه يمكن أن ينجزه مبدعون آخرون وإن استغرق جهداً أكبر ووقتاً أطول. ضمن هذا الأفق، جاء تركيز المؤلّفة على أهمّيّة التوجّه العلمي ودور التعليم وآلياته والنموّ الثقافي.

من جانب آخر، تنتقد سماح كركي الطريقة التي تجري فيها الأمور في الواقع (وهي طريقة حلّلها وانتقدها بقوّة عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو)، وتلاحظ أنّ ثمّة استمراريّة لمنظومة تتمثّل في هيمنة الأقوى، وهي منظومة تبرّر موقعها في السلطة من خلال ادّعائها امتلاك الموهبة، وهذه حجّة خاطئة تماماً. إنّها تستولي على السلطة، وتستأثر بها، فتهمّش المرأة، والأقلّيات الإتنيّة، والفقراء، وجميع من هم أقلّ شأناً في المرتبة الاجتماعيّة. يأتي الحديث عن الموهبة، عند المتمسّكين بالسلطة، كمبرّر بيولوجي يحاول أن يتمظهر في العلم، لكنّه لا يتمتّع بأيّ طابع علمي على الإطلاق.

عندما أصبح باراك أوباما رئيساً للولايات المتّحدة الأميركيّة، سمعتُ أحدهم يقول: "لا أفهم كيف سيقطن أطفال سود البيتَ الأبيض، يركضون فيه ويلعبون"! لمَ العجب، وحولنا ما حولنا؟ من هنا، يبدأ الحديث عن الموهبة. كيف تتفتّح المواهب في مجتمعات لا يزال أبناؤها- في القسم الأكبر منهم- محكومين بذهنيّات تقوم على الخرافة والأفكار السائدة، وتؤمن بأنّ المرأة "ناقصة عقل"، أو، كما يحدث الآن في أفغانستان، حيث تُمنع النساء والفتيات من حقّهنّ في التعليم، وتقييد حرّيتهنّ في الحركة والتعبير والعمل؟ كيف تتفتّح المواهب حيث المدارس النوعيّة لا تصلها إلاّ فئة محدّدة من فئات المجتمع؟ ما يُضاعف من ربط الموهبة بالموقع الاجتماعي، سلطةُ المال. حتّى الموهبة تغيَّر معناها! الموهوب، في الوقت الراهن، ليس الذي يخترع دواءً ينقذ ملايين البشر، أو من يُبدِع تحفةً فنّية أو أدبيّة، بل ذلك الذي يحقّق نجاحاً مادّيّاً كبيراً، فيحلّق في أعلى السماوات، ويصبح، بين ليلة وأخرى، في مَصافّ القدّيسين.