شربل داغر

كتابتي مستقبلي، من دوني

23 كانون الثاني 2023

02 : 01

أكتب لمن لا يقرأني.

أكتب له، على الرغم من أنه لا يبالي:

له انشغالات والتذاذات أخرى، على ما يبدو، ما لا يقع في الكتابة، ولا في الكتاب.

هكذا أكتب له، إذ أكتب لنفسي، ما دام كلامي لا يقصده بالضرورة، لكنه يتوجه إلى قارئ حكماً.

أكتب لأن غيري لا يَكتب، أو يكتفي بما يعتمل فيه، من دون ان يُعَبر عنه بالضرورة، إلا في لحظات انفجار غضبي.

أكتب لأنني أتلعثم في القول، وهو ما لا ينصاع أو ينتظم، بل يتردد أو يستعيد خطاه.

أكتب أحياناً مثل ماء جارية نزولاً، بسلاسة، كما لو أن السبل بين المياه الجوفية ومسالك العبور هينة، بل تترقرق مثل انهمارِ دمعٍ لذيذ.

أكتب بمجرد لمعان لفظ، أو قيامِ ما يشبه بوابةً لبيتٍ من دون جدران.

أكتب في أي وقت، في أي مكان، لكنني أحتاج إلى خلاء، إلى صفاء، ما يبدو مثل رِواقٍ للقاءٍ منتَظر، من دون أن أدرك أو أستبق وجهها القادم، الغامض.

لهذا سعيتُ، في ما مضى، إلى كتابة ما أطلقتُ عليه: "الشعر قابلية جسدية"؛ وعنى أن القصيدة تأتي وفق تدافعِ محرِّكاتٍ وقوى تكاد تعمل في الخفاء، من تلقاء نفسها.

هكذا تتأتى القصيدة في لاحقها، في ما يَحدث لها، في ذلك المشي من دون خطوات، في ذلك الطيران من دون أجنحة، في اجتماعها الحميم الذي يذيعني في حلكته المنيرة.

أكتب مثل الماشي في عتمة؛ مثل الذي تتقدمُه أصابعه قبل خطواته: يسعى إلى تحسسِ جدارٍ، أو كرسي، من دون أن يكون جداراً، أو كرسياً. إذ هو فراغ، يُنشئ مكانه، مثل درجات في هواء.

هذا المكان تَبنيه تدافعات نَفَسي، ومَيَلاني في التقدم، وإلحاحاتي على طَرقِ أبواب صلدة، عصية، من دون مفاتيح.

لعلي أتقدم فوق سطور، وقد أتخيلها ممرات وشوارع وطرقاً غير نافذة.

لعلي لا أسمع اصواتاً، ولا شجاراً، ولا مناقشات حامية، فيما أكتب كمن يتدخل، من دون دعوة، من دون استئذان، من دون انتظار جواب.

لعلي لا أسمعني، ولا أحدق في مرآة، بينما أمضي من دون هوادة، كما لو أن "الوسواس" (لا "الخناس") يَسبقني من دون أن يُمسك بيدي، أو بقلمي.

لعلي أخاف من ثقلٍ رازحٍ فوق صدري، طالباً التنفس والتقدم في مساري براحة أشد.

لعل ما يأتي، يتقدمني. لعله يشبهني، من دون أن يكون وجهي.

كتابتي مستقبلي، من دوني