ريموند كيو

الإقتصاد العالمي لم يعد بحاجة إلى روسيا

24 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

مع بدء موسم العطلة الشتوية في الولايات المتحدة، أرسلت الصين 71 طائرة للمشاركة في مناورات عسكرية في محيط تايوان، وهو أكبر توغل فردي ينفذه البلد على الإطلاق. جاءت هذه الحادثة بعد مئات الرحلات المماثلة في آخر 18 شهراً، فضلاً عن تدريبات عسكرية وتجارب صاروخية بالقرب من الجزيرة بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة، نانسي بيلوسي، في شهر آب من السنة الماضية. وتزامناً مع التحذير من أعمال انتقامية عسكرية أخرى، وسّعت بكين أيضاً مخزون الرؤوس الحربية النووية، واستعملت مركبة انزلاقية تفوق سرعة الصوت، وأطلقت ثالث حاملة طائرات، وعملت على تحديث جيشها.



في غضون ذلك، تتابع الولايات المتحدة النقاش حول أفضل طريقة للحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة، ودعم الجزيرة ذات الحُكم الذاتي، ومنع أي هجوم صيني. ترتكز سياسة واشنطن اليوم على مبدأ "الغموض الاستراتيجي": وفق هذه النظرية، من الأفضل أن يتابع جميع الأفرقاء تخمين مدى استعداد الجيش الأميركي للتدخل في أي حرب عبر مضيق تايوان وتوقّع نطاق ذلك التدخّل المحتمل. لكن هل تُعتبر هذه الاستراتيجية مناسبة لردع بكين حتى الآن، أم يُفترض أن تلتزم واشنطن علناً بالدفاع عن تايوان، بما يتماشى مع دعوة أمين عام الناتو السابق، أندرس فوغ راسموسن، في 5 كانون الثاني؟

بشكل عام، يُعتبر الغموض الاستراتيجي أداة لنشر شكوك متعمدة في بكين وتايبيه حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل في الحروب. يُفترض أن ينتج هذا المفهوم ردعاً مزدوجاً، ما يعني أن احتمال تدخّل الولايات المتحدة يمنع الصين من غزو الجزيرة، وأن الخوف من فقدان الدعم الأميركي يمنع تايوان من تأجيج الحرب عبر إعلان استقلالها. ساهمت هذه المقاربة، برأي مؤيديها، في الحفاظ على السلام طوال عقود ومنعت الظروف التي تجرّ الولايات المتحدة إلى الحروب رغماً عنها.

لكـن قد يرتكز الغمـوض الاستراتيجي على مفاهيم شائبة وأدلة منهجية محدودة. لم تعلن الولايات المتحدة يوماً عن معنى هذا المفهوم ولم تتبنَّه كسياسة بحد ذاتها رسمياً. في هذه المرحلة، قد تفوق أضرار الغموض الاستراتيجي منافعه المحتملة، وتتعدد الأسباب التي تدفع واشنطن للانتقال إلى سياسة الوضوح الاستراتيجي من خلال تقديم ضمانات أمنية إلى تايوان على طريقة حلف الناتو مثلاً.

اليوم، تمنع القوة الصينية المتنامية تايوان من إطلاق مغامرات شائكة. لا تريد تايبيه خوض الحرب، فهي تعرف أنها ستكون أول من يتضرر من الرد الصيني. لهذا السبب، لم يؤيد أي سياســـي تايواني بارز إعلان الاستقلال عن الصين منذ العام 2005. في مطلق الأحوال، لا يملك رئيس تايوان أي صلاحيات دستورية لإعلان الاستـــقلال بشكلٍ أحادي الجانب، وغالباً ما تؤيد الأغلبيات المؤثرة الحفاظ على الوضع الراهن خوفاً من أي تحركات عسكرية انتقامية.تزامناً مع زيادة القدرات العسكرية الصينية، بدأ الردع المحوري ينهار بوتيرة ثابتة. في العام 1996، أطلقت بكين صواريخ فوق الجزيرة احتجاجاً على خطاب الرئيس التايواني خلال اجتماعه مع زملائه القدامى من أيام الجامعة في الولايات المتحدة. لكنها تجنبت أي استفزازات أخرى بعدما أطلقت واشنطن حاملتَين للطائرات عبر المضيق. وبعد زيارة بيلوسي إلى تايوان في العام 2022، ردّت الصين عبر تنفيذ تدريبات عسكرية وإطلاق الصواريخ. امتنعت واشنطن عن استنكار ما حدث وتجنبت أي استعراض عسكري، مع أن جيش التحرير الشعبي الصيني تابع توغلاته وعملياته القسرية.

مع ذلك، يتمسك مؤيدو الغموض الاستراتيجي بهذا المفهوم لأنهم يقلقون من أن تجرّ تايوان الولايات المتحدة إلى الحرب ضد الصين إذا حصلت على ضمانات أمنية غير مشروطة.

لكن لم تقع واشنطن في هذا النوع من الأفخاخ يوماً. من أصل خمس حالات شائكة منذ العام 1945، لم تنجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب إلا في حالة واحدة منها: فيتنام. تتملص الدول من وعودها عبر فرض الشروط، أو الاستفادة من الغموض، أو استعمال الخِدَع اللغوية القانونية، أو الانسحاب بكل بساطة. تستطيع واشنطن إذاً أن تفرض حواجز حماية على أي وعود دفاعية، فتشترط مثلاً استشارتها خلال الأزمات أو تلغي الاتفاق إذا أعلنت تايوان استقلالها.

كذلك، ما من رابط بين الغموض الاستراتيجي وقرار الصين بمهاجمة تايوان. في هذا السياق، كتب السيناتور الأميركي كريس ميرفي التغريدة التالية: "سبق واستعدت الصين لأي حملة أميركية دفاعية شاملة". تفترض خططها إذاً أن تتدخل واشنطن في أي صراع محتمل. من الواضح أن قوة الولايات المتحدة وحلفائها هي التي تردع الصين. أما استراتيجية الغموض بحد ذاتها، فهي لا تعطي منافع إضافية كبرى.

بعبارة أخـرى، سيـكون تحسين أمن تايوان أكبر رادع محتمل للعـــدوان الصيني. في المقابل، قد تفوق أضرار الغموض الاستراتيجــي منافعــه في هذا المجال.

سيكون التدخل الأميركي أساسياً لهزم الغزو الصيني لتايوان. يجب أن تتأكد تايبيه من مشاركة الولايات المتحدة، وقد يكون بيع الأسلحة أوضح وأقوى مؤشر على الدعم الأميركي. تشتري تايبيه أنظمة تسلّح متطورة، وهي مقتنعة بأن استعداد واشنطن لبيع هذه المعدات يزيد احتمال تدخّلها دفاعاً عن الجزيرة.

لكن يظن المحللون أن أفضل استراتيجية تايوانية يُفترض أن ترتكز على دفاع قوي وغير متماثل، وهو مفهوم وارد في خطة عسكرية تايوانية تحمل اسم "مفهوم الدفاع العام". تحمي الجزيرة نفسها في هذه الحالة عبر استعمال الألغام، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات، والمركبات، فتكسب الوقت بانتظار وصول الجيش الأميركي. لا نفع من استعمال معدات متطورة مثل طائرات "ف - 16"، والدبابات الثقيلة، والغواصات، في هذا النوع من المهام، فهي معرّضة للتدمير في أولى مراحل الغزو. لكن لا تستطيع تايبيه أن تنتقل بالكامل إلى الدفاع غير المتماثل لأن الغموض الاستراتيجي يجعلها تشكك بتدخّل واشنطن.

هذا الوضع يخلق مشكلة أميركية في السياسة التايوانية. أعلن الرئيس التايواني السابق، ما ينغ جو، يوماً: "الأميركيون سيبيعوننا الأسلحة ويمنحوننا المعلومات الاستخبارية، لكنهم لن يرسلوا قواتهم العسكرية". يشكك حزبه السياسي، "الكومينتانغ"، بنوايا واشنطن أيضاً، حتى أن جزءاً من أعضائه يدعو إلى زيادة استقلالية تايوان عند اتخاذ قراراتها الدفاعية. يذهب خبراء آخرون إلى حد تأييد التكيّف مع الصين. هذا الموقف ليس مفاجئاً، إذ تسمح التحالفات العسكرية للدول الصغيرة بمقاومة التهديدات الكبرى، وتميل البلدان من دونها إلى مجاراة مصدر التهديد لتجنب حرب ميؤوس منها.

إذا تحقق هــذا السيناريو في تايوان، ستخسر واشنطن شريكة أساسية في المنافسة الاستراتيجية مع الصين. قد تستعمل بكين تايوان كـ"حاملة طائرات غير قابلة للغرق" لاستعراض قوتها في المحيط الهادئ، وكبح الدعم الأميركي لليابان وكوريا الجنوبية، والسيطرة على الفلبين، وزيادة هيمنتها في بحر الصين الجنوبي.

من الواضح إذاً أن الغموض الاستراتيجي أوصل الولايات المتحدة وتايوان إلى معضلة شائكة. تريد واشنطن من تايبيه أن تزيد إنفاقها على الدفاع وتنفذ استراتيجية وقائية مُحْكَمة قبل القيام بالتزامات غير محددة أخرى. تُخصّص تايوان جزءاً من ميزانيتها الحكومية للدفاع أكثر من الولايات المتحدة، لكنها تريد أن تستفيد من الالتزام الأميركي الذي يرتكز عليه مفهومها الدفاعي قبل تنفيذ أي بنود أخرى. يزيد استعداد تايوان للقتال إذا تدخلت واشنطن. تتوقف استراتيجية كل طرف على تصرفات الطرف الآخر، ويفضّل كل معسكر منهما الانتظار فيما تتابع الصين تحديث جيشها.

يمكن إيجاد مخرج لهذه المعضلة عبر الوضوح الاستراتيجي. لا بد من تنفيذ أي تحوّل بطريقة حذرة، ما يعني أن تبدأ التحضيرات العسكرية قبل الإعلان عن أي التزام أميركي. لكن تبقى تايوان الأكثر عرضة للمخاطر إذا قررت التخلي عن خيار استيعاب الصين لأنها الجهة المُهددة والأكثر ضعفاً. هي تحتاج إذاً إلى ضمانات خاصة وملموسة للتأكد من تلقي مكافآت معينة مقابل المجازفات التي تأخذها. لكن يجب أن ترتبط هذه الضمانات طبعاً بمؤشرات واضحة على تنفيذ الاستراتيجية الدفاعية المعتمدة من الجانب التايواني.

أخيراً، قد يسمح الوضوح الاستراتيجي بتحسين وضع القوة التايوانية بما يتماشى مع الاستراتيجية الدفاعية الأميركية. وفيما تعمل تايبيه على تطوير دفاعاتها غير المتماثلة، ستتراجع الحاجة إلى التدخل الأميركي. تثبت معركة أوكرانيا الناجحة ضد الغزو الروسي أن الأسلحة المناسبة التي تترافق مع استراتيجية فاعلة تسمح بهزم قوة ضخمة ظاهرياً مقابل كلفة بسيطة نسبياً على الولايات المتحدة ودول أخرى في حلف الناتو. كذلك، قد يسمح الوضوح الاستراتيجي بتجاوز العوائق السياسية التي تمنع تايوان راهناً من تبنّي موقف مماثل. يضمن هذا الوضوح تحقيق المصالح الأميركية عبر تحسين دفاع تايوان، ما يؤدي إلى تراجع احتمال الحرب الشاملة وتسهيل احتواء الصين.

يبدو أن فكرة الغموض الاستراتيجي أصبحت، برأي مؤيديها، غاية بحد ذاتها مع أنها تعجز منطقياً عن التكيّف مع نمو القوة العسكرية الصينية بدرجة مقلقة. ويبدو أن الظروف التي سمحت بنجاح هذه السياسة تلاشت بالكامل بعد توسّع النفوذ الصيني.