سيلفانا أبي رميا

"حكواتي البلد" يجوب المقاهي ويسرد التراث

برّاق صبيح: نحاول حماية الحكواتي من الإندثار

24 كانون الثاني 2023

02 : 01

بطربوشٍ عتيق تكسوه الهيبة، وبـ"قمباز" تراثي قديم، يجوب برّاق صبيح شوارع ومقاهي طرابلس مستنداً على عصا خشبية معتّقة، حاملاً تحت ذراعه كتاباً من ألف حكاية وحكاية. هو "حكواتي البلد" الذي يحاول جاهداً إعادة صورة هذا التراث الثقافي الجميل إلى بيوتنا وعاداتنا وزرعها بين الصغار والكبار. ولا يزال الحكواتي الوحيد في منطقة شمال لبنان يكتب الحكايات ويسردها بين المدارس والمسارح والمهرجانات وفي أروقة طرابلس الضيقة. وكان لـ"نداء الوطن" حديث شيّق معه أطلعنا فيه على تاريخ وحاضر مهنة الحكواتي في لبنان.

من هو الحكواتي؟

عرف العالم العربي مهنة الحكواتي، منذ مطلع القرن التاسع عشر، وحظيتُ بشعبية كبيرة جعلتها جزءاً من التراث الشعبي. وكان الحكواتي يسرد الرواية أو الحكاية مستعيناً بذاكرته أو قدرته على التأليف، وغالباً ما تكون عن شخصية تاريخية تلعب دور البطولة وتتحلى بالشجاعة والشرف والمروءة ونصرة المظلوم.






كيف ولدت فكرة "حكواتي البلد"؟

أنا ابن مدينة طرابلس ولدت فيها العام 1969، ولطالما رسمت صورة الحكواتي الشعبي شوارعها ومقاهيها.

في حزيران 2010، تمّ استدعائي واستضافتي من قبل "جمعية تراث طرابلس" لسرد حكاية طرابلس المدينة. لبّيت الدعوة من دون تردد وحضرت الحدث بملابس تقليدية تراثية وهي طربوش وعصا كانت لجدي وقنباز ورثته عن أبي.

وهناك في مدينة إيتامب الفرنسوية لاقت شخصية الحكواتي التي أديتها صدى واسعاً بين الجمهور الفرنسي واللبناني على حد سواء... هكذا كانت انطلاقتي لأصبح "حكواتي البلد"، وساعدني كوني أستاذاً مسرحياً أتقن الإلقاء والنص المسرحي في تغذية هذا الدور.

كيف تعلّمت سرد الحكايات وتمثيلها؟

أملك تراكمات وخبرة في المسرح من خلال الجمعية التي أنتمي إليها منذ سنين، وهي جمعية "فنون متقاطعة" Cross Arts الثقافية التي تهدف إلى توظيف المسرح في العمل الاجتماعي من خلال ورش مع الشباب والأطفال.

فهمت المسرح وتعلمت كيف أتعامل مع متطلباته، وأنا شخص موهوب وبارع في الكتابة وأحب مطالعة القصص والتاريخ. كل ذلك صبّ في صالح حكاياتي، فكنت الحكواتي المعاصر الذي يدخل إلى عالم الحكايات التي سردت قديماً ويأخذ شخصياتها ليضعها في إطار قصصي سردي يتناسب مع المجتمع الطرابلسي الحالي.

كم حكاية كتبت وسردت؟

لا يمكنني أبداً إحصاء الحكايات التي سردتها طوال 12 عاماً لكن في رصيدي التأليفي ما يفوق الـ15 إنتاجاً خاصاً وحكايات أبطالها الناس العصاميون وأصواتهم غير المسموعة الذين اخترت الإضاءة على بطولاتهم المخفية وعلى واقعهم الاجتماعي والانساني.

أي حكاية تبقى الأحب إلى قلبك؟

كل حكاية سردتها أو كتبتها تركت عندي وقعاً خاصاً، لكن تبقى "حنش القلعة" الأحب إلى قلبي (الحنش هي الأفعى). وهي حكاية تمكنت من خلالها سرد صورة طرابلس المدينة كما يلزم وأعطيتها حقها. فصولها تتنقل ما بين القلعة والنهر القابع أسفلها قبل طوفانه في العام 1952.

كيف تختلف صورة الحكواتي قديماً عن أيامنا هذه؟

الصورة تختلف كثيراً. صحيح أن الطربوش واللباس التقليدي والكتاب والعصا تمثل هيبة هذه الشخصية والكنز البشري الذي علينا إعادة إنتاجه، إلا أن الحكايات هي التي تغيّرت. فلا يمكنك اليوم سرد حكاية عنترة بوقائعها القديمة على جيل شبابي يعيش عالماً إفتراضياً بين وسائل التواصل وزواريب التكنولوجيا. هنا تكمن البراعة في إعادة إنتاج القصص بما يحاكي واقع هؤلاء وترك عبرة لهم في نهاية القصة. كما أن طريقة الإلقاء واختيار المفردات باتت أصعب لجذب الجمهور وتركه معلّقاً بين حبال القصة وصولاً إلى الخاتمة.

هل باتت ظاهرة الحكواتي تندثر في مجتمعنا ولماذا؟

الحكواتي غائب عن طرابلس والشمال بأكمله منذ أكثر من جيلين، فالتراخي والإهمال في مجتمع متطور هو ما يسرّع اندثار هذه الظاهرة التي أحبها الجميع قديماً. كذلك فإن عدم ربط الحكواتي بالقضايا التربوية والتعليمية وعدم دمجه كتراث ثقافي ضمن المناهج المدرسية وعدم اكتراث المعنيين زاد الأمر سوءاً.

بخبرتي الشخصية وللأسف أغلب المدارس التي قامت بدعوتي لسرد الحكايات لطلابها فعلت ذلك من باب ملء فراغ معيّن لا أكثر. أؤمن أن هذا الموضوع كارثة كبرى كون طلابنا يتربون على منهج لا يشبهنا... فكيف يكون الحكواتي اللبناني الذي طبع تاريخ لبنان أقل شأناً من موليير الفرنسي في مناهجنا؟

لماذا لا نكون كسائر البلدان نكرّم ونفتخر بالحكواتيين Story Tellers ونراهم موجودين في كتبنا وحكاياتنا ونشاطاتنا وساحاتنا العامة؟

ماذا عن مهرجان الحكواتي الذي أقيم أخيراً في طرابلس؟

مهرجان الحكواتي الذي نظمه قاسم اسطنبولي وكل المهرجانات التي تنظم حالياً ما هي إلا نسخة طبق الأصل عن مجتمعنا، وهي كتلة مظاهر فارغة وجوائز صورية لا تمت إلى المحافظة على التراث بصلة ولا تجدي شخصية الحكواتي واستمراره نفعاً. أشيد فقط بمكتبة "السبيل" التي تنظم وتدعم حركة حقيقية للحكواتي وصورته وتحميه داخل المجتمع البيروتي.

من أين تستوحي شخصيات الحكايات؟

حكاياتي تشبه الجو العام في لبنان وطرابلس، أما شخصياتي فهي أشخاص ابطال ألتقيهم في حياتي اليومية كأستاذ مدرسة أو حرفي أو طبيب أو نجار أو صياد سمك أو بائع سحلب... المهم طريقة سردي للحكاية وأن تحمل طابعاً أسطورياً تشويقياً وتوصل المستمع إلى نهاية مليئة بالعبر والقيم.





أخبرنا عن جمهورك في المقاهي!

كبار وصغار يجتمعون، أستطيع أن أرى توقعهم للحكايات وان ألمس حماسهم حيال كل فصل أسرده. الحضور ليس بقليل وهو ما يشجّعني ويدفعني إلى المضي قدماً.

هل تختلف الصورة في رمضان؟

طبعاً، فلطالما ارتبطت ليالي رمضان بوجود الحكواتي، وخلال هذا الشهر تكون الصورة بأبهى حلّتها حيث تقوم الناس بالمطالبة اليومية بوجود الحكواتي المحفور في الذاكرة الشعبية.







هل شاركت في مهرجانات محلية وعالمية؟

شاركت في الكثير من المهرجانات والمجالس، أبرزها مهرجان "مغرب حكاية" في المغرب لـ5 سنوات متتالية بين 2015 و2020، ومهرجان "الأيام اللبنانية" في باريس، كما شاركت في "مهرجان الراوي" في الشارقة لمدة 5 سنوات. محلياً زرت الكثير من المجالس والمدارس والمراكز الثقافية والأثرية ورافقت السياح والزوار في رحلات سياحية داخل طرابلس. لكن للأسف، لا يسلط الإعلام الضوء على هذه الامور ولا يدعم أبداً هذا النوع من التراث الثقافي.

ما قصة تعاونك مع اليونسكو؟


بعد سلسلة تدريبات امتدت بين 2019 و2022، عُيّنت من قبل اللجنة الوطنية لليونسكو "ميسّر وطني" للتراث الثقافي غير المادي على أمل أن يتم تفعيل الاتفاقيات الثقافية اللبنانية مع دول الخارج والعمل بها.

هل اقتصرت مهنة الحكواتي على الرجال فقط؟

صحيح أن أبرز حكواتيي لبنان كان رجلاً وهو البيروتي عماد الوزان الذي توفي منذ فترة. لكن اليوم تعرّفت على الكثير من النساء الحكواتيات المتمرسات والمبدعات في لبنان والخارج ولعل أبرزهنّ السيدة نجوى مزهر وسحر شحادة وسارة قصير.

كيف تختصر مهنة الحكواتي؟

الحكواتي تراث وفن وهوية تاريخية ومن مسؤوليتنا جميعاً المحافظة عليها. وبنظري تبقى الحكاية قوة عبر كلماتها التي يُبنى عليها السلام أو تشتعل إثرها الحروب. دعونا لا نفرّط بهذا الإرث العريق الذي تركه لنا أجدادنا كي لا يصبح شبيهاً بكل ما لمسته أيدي الفساد والإهمال في وطننا.