حسان الزين

"الجزيرة" تتمرّد على نفسها قليلاً

4 دقائق للقراءة
علي الظفيري (تويتر)

لا يقتصر اختلاف برنامج "المقابلة"، الذي يقدمه علي الظفيري، عن منتجات قناة "الجزيرة" على كونه يبتعد عن الحدث مهتمّاً بالتاريخ والثقافة والفنون. يفترق "المقابلة" عن برامج "الجزيرة" في كونه يستضيف أشخاصاً من خارج القائمة التقليدية للقناة القطرية. فصوت "الجزيرة" وصورتها في "المقابلة" أقل مما هما عليه في البرامج الأخرى، بما في ذلك التي قدّمها الظفيري نفسه قبل أن ينسحب من الشاشة مع انفجار الأزمة بين بلده، السعودية، وبلد قناته، قطر.

ويمكن ملاحظة أن "المقابلة" ذو هامش أوسع من زملائه، ولعلّه يفتتح زمناً جديداً على "الجزيرة". فبعد زمن "الربيع العربي" الذي انتقلت فيه القناة القطرية من متابع للحدث إلى مشارك فيه وفي صنعه، ما أربك أداءها وصورتها المهنيين تحت وطأة السياسة، كأن القناة اليوم تحاول أن تقدّم صورة جديدة عن نفسها. صورة لا تقتصر على الوجوه والأصوات القريبة منها سياسياً. فبرنامج "المقابلة" ينفتح على أشخاص ما كانت تتسع لهم الشاشة الذهبيّة حين كانت توثر الإسلاميين والمنتمين إلى أجواء وتيارات قريبة (باستثناء أحد ضيفي برنامج "الاتجاه المعاكس" مع فيصل القاسم)، وحين كانت تفتح الهواء لسياسيين وصحافيين وكتّاب إسرائيليين "رسميين". فبرنامج "المقابلة" يبتعد عن هؤلاء ليستضيف ليبراليين ويساريين ومستقلّين ومؤرّخين إسرائيليين نقديين تجاه السياسة والرواية الرسميتين وتجاه الحركة الصهيونية (آفي شلايم مثلاً).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تحاول "الجزيرة" من خلال "المقابلة" أن تكسر النمطية في البرامج، أو أن تتحرّر منها قليلاً. فبرنامج "المقابلة" الذي يلتزم كثيراً من قواعد القناة يحاول ألا يكون حواراً تقليديّاً، أو صارماً. والتعبير الأول عن ذلك يكمن في المقدمة التي "يتنزّه" فيها الضيف برفقة محاوره في الهواء الطلق قبل دخول الاستديو غير التقليدي.

ومن التعبيرات غير التقليدية، بالنسبة إلى "الجزيرة"، أن يترك المحاور دور البطولة للضيف. ليتحول دور المحاور في ظل ذلك إلى سائل يعرف بمسيرة الضيف وخفاياها وتفاصيلها، وبثقافته وإنتاجه وزمنه. والحق أن الظفيري أقل استعراضية وسجالية من مقدمي برامج "الجزيرة"، وتدخّلاته توحي إلى أنه أكثر إعداداً مما اعتاد عليه مقدّمو برامج الأحداث، وإلى أنه محاور مثقف أكثر منه مقدم برامج تلفزيونية، وإلى أنه صاحب مواقف سياسية وأخلاقية أكثر منه ناقلاً لمواقف القناة. وهذا ما يجعل الحوار مريحاً للضيف وفرصة له لعرض تجربته وأفكاره، من دون أن يتخلى البرنامج عن قدرته على تظهير العناصر الجاذبة في الضيف ومسيرته ومذكراته وآرائه. فالبرنامج الذي يوسع هامش "الجزيرة" من خلال توسيعه مروحة الضيوف، يقيم توازناً لا بأس به بين بطولة الضيف وما يقطفه لأسباب تلفزيونية من مسيرته وأقواله وآرائه ومذكراته، ويظهّره لغايات ترويجية. وإذ يستضيف البرنامج أشخاصاً أصحاب مساهمات في السياسة والثقافة والفنون وصناعة الرأي العام لا يراهن على أسمائهم فحسب، بل يشغّل الخبرة والحساسية التلفزيونيتين، ومعهما أدواته الترويجية على وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل جذب المشاهدين.

إلى هذا، فإن "المقابلة" وهو يوسّع هامشه وهامش "الجزيرة" يبدو أنه لا يسعى إلى فئات عمرية خارج استهداف القناة وبرامجها التقليدية. فالبرنامج لا يخاطب فئة الشباب أو يقترب من اهتماماتها، بقدر ما يبدو أنه يستهدف من تجاوزوا الشباب عمريّاً، وخصوصاً الذكور. وليس المعيار في هذا التقدير أنه لم يستضف حتى الساعة سوى امرأة واحدة هي الوزيرة المسلمة الأولى في بريطانيا سعيدة وارسي، بل إن التقدير هذا يستند إلى اهتمامات البرنامج، فهو إذ يستضيف فناناً ممن يُحتمل أن يجذبوا الشباب يأخذه إلى السياسة ويسلط الضوء على الشاشة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، على القضايا والعناوين الكبرى.

لا تنفصل هذه السياسة عن التوجّه الذي اعتمدته "الجزيرة" منذ انطلاقتها في أواسط التسعينات من القرن الماضي. وهو، لا سيما في البرامج السياسية التاريخية، نبش ذاكرة القرن العشرين لبعض الأنظمة العربية وبعض الحركات السياسية، إضافة إلى الصراع العربي- الإسرائيلي. إلا أن هذا النبش للذاكرة، المغري سياسياً وتلفزيونياً للقناة القطرية، يعيد برنامج "المقابلة"، على رغم اختلافه النسبي، إلى المساحة التقليدية لبرامج "الجزيرة". ما يطرح التساؤل عما إذا كان هذا البرنامج المفيد معرفياً قادراً على مخاطبة فئات أخرى.