"مؤمنون بلا حدود" موت غير معلن

5 دقائق للقراءة
كانت "مؤمنون بلا حدود" مساحة تقاطع بين المجتمع الأكاديمي والباحثين والجمهور المهتم (مؤمنون بلا حدود)

يوحي استمرار الموقع الإلكتروني "مؤمنون بلا حدود"، وكذلك الصفحة الخاصة على "فيسبوك"، إضافة إلى الإعلان عن إصدارات (كتب) جديدة، بأن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" ما زالت مستمرة، إلا أن الحقيقة عكس ذلك. لقد توقفت المؤسسة، التي تأسّست في العام 2013، قبل أن تكمل العقد من العمر.

وعلى رغم استمرار الأنشطة هذه، أحدث التوقف فراغاً في المساحة البحثية والحوارية والنشرية التي شكّلتها المؤسسة، خصوصاً في المغرب العربي حيث تأسست ونشطت بين الأكاديميين والباحثين في الفلسفة والدين والأخلاق والسياسة. وكانت هذه المؤسسة مساحة تقاطع بين المجتمع الأكاديمي والباحثين والجمهور المهتم، وهو واسع خصوصاً في المغرب الغربي.

وإذ يواصل الموقع والصفحة نشاطهما عبر متطوعين، ما يدل على الأثر الإيجابي الذي أحدثته المؤسسة وتجربتها، إلا أن الخاسر الأول من جرّاء ذلك هو الفضاء الفكري البحثي والحواري في البلدان العربية والإسلامية، التي تحتاج إلى المؤسسات الجادة وأنشطتها المتعددة. وقد نظمت "مؤمنون بلا حدود" خلال مسيرتها القصيرة حوارات وندوات ومؤتمرات وورش عمل ومعارض، ونشرت كتباً ومجلات ("ذوات"، "يتفكّرون"، "الباب" و"تأويليات")، إضافة إلى الموقع الإلكتروني والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.

الرؤية والرسالة

وُجدت "مؤمنون بلا حدود"، كما تعرّف نفسها، لكي "تسهم في خلق فضاء معرفي حر ومبدع لنقاش قضايا التجديد والإصلاح الديني في المجتمعات العربية والإسلامية". وعملت "على تحقيق رؤية إنسانية للدين منفتحة على آفاق العلم والمعرفة ومكتسبات الإنسان الحضارية، وخلق تيار فكري يؤمن بأهلية الإنسان وقدرته على إدارة حياته ومجتمعاته متخطياً الوصايات الإيديولوجية أو العقائدية".

وجاء في تعريف المؤسسة أنها تهتم "بتنشيط البحث المعرفي الرصين في الحقول الثقافية والمعرفية عموماً، والدينية خصوصاً"، وبـ"دراسة منظومة الأفكار المؤسسة للعقل الثقافي الكلي في المنطقة". وسعت "مؤمنون بلا حدود" "في الشق العملى إلى اختبار اجتهادات المفاعيل الثقافية والفكرية والمجتمعية في الفضاء العربي الإسلامي، نظرياً وواقعياً". وأعلنت أنها "تسلك سبيل النقد المنفتح والفعال في مراجعة الأفكار كلها من دون انحياز إلا لما هو مصلحة الإنسان في واقعه ومعاشه".

انطلاقاً من تلك الرؤية والرسالة والأهداف رفعت "مؤمنون بلا حدود" شعارات عدة خلال مسيرتها القصيرة والفاعلة في آن، أبرزها: "آراء مختلفة، إيمان بلا حدود، فضاء حر ومبدع، وإيمان بالإنسان للإنسان".

القيمة الأساسية

ويقول أحد الذين عملوا فيها الدكتور نادر الحمامي (تونس) إن "القيمة الأساسية هي قيمة الإيمان الحقيقي بالاختلاف والتعدد والحريّة الفكرية، فلا تحصر مؤمنون بلا حدود نفسها بتيّار فكري واحد، وقد اتسعت المنشورات، من كتب ومجلات ورقية وإلكترونية، للتعدد واحترام الاختلاف".

وفيما يكشف الحمامي أن "مؤمنون بلا حدود لم تضع إلا شرطاً واحداً هو المعايير العلمية التوثيقية والقبول في الدوائر الأكاديمية"، يشدد على أن "التفسير الأول" لاسم المؤسسة هو "مؤمنون بالاختلاف".

يضيف الحمامي: "أتاحت المؤسسة الفرصة للباحثين العرب كي يجتمعوا، فالتقى في أنشطتها باحثون وأكاديميون بارزون ومخضرمون مع باحثين شباب. كذلك ساعدت في نشر بحوث كانت لتبقى على الأرفف، فنشرت المعرفة في إطار التعدد الفكري".

وقد شغل الباحث في مجال الدراسات الإسلامية محمد العاني (سوريا) موقع المدير العام للمؤسسة. وتألف مجلس الأمناء من عدد من الأكاديميين والباحثين، منهم عبد الجواد ياسين (قاضٍ مصري)، عبد الله السيد ولد أباه المتخصص بالفلسفة الحديثة والمعاصرة (موريتانيا)، نايلة أبي نادر المتخصصة في الفكر العربي الإسلامي (لبنان)، محمد بن صالح (المغرب)، محمد محجوب المتخصص في التأويلية وتاريخ الفلسفة (تونس)، نجيب جورج عوض المتخصص في الفلسفة والعلوم الإنسانية (سوريا)، محمد المعزوز المتخصص في الأنثروبولوجيا السياسية (المغرب)، وعبد الحسين شعبان المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان (العراق).

مشكلات

وخلال مسيرة "مؤمنون بلا حدود"، التي عقدت شراكات تعاون مع جامعات ومراكز علمية عديدة حول العالم، واجهت أسئلة في شأن مصادر تمويلها. كذلك واجهت مشكلات في عدد من البلدان العربية، بعضها يتعلق بأنشطتها الثقافية وبعضها على صلة بأعضاء بارزين فيها. فقد أعلنت في تشرين الأول 2018 تجميد عضوية أمينها العام يونس قنديل، الذي دارت حول قصة اختطافه في الأردن شكوك والتباسات عدة. ومذ ذاك بدأت الصعوبات تعترض المؤسسة، ثم جاءت جائحة كورونا التي قصّرت عمرها.

يبقى أن نقول إنه على رغم هذه المسيرة وانفتاح المؤسسة على الجديد في العالم، لا سيما في حقول المعرفة الفلسفية والأبستمولوجية الأنثروبولوجية وتحليل الأديان، إلا أن منتجها، سواء أكان في الكتب أم المجلات وكذلك الموقع، بقي أسير اللغة الأكاديمية والبحثية المغاربية وقاموس مصطلحاتها. الأمر الذي حال دون انتشارها وتوسّعها وخروجها من المغرب وتونس (ومصر إلى حد ما). وربما أسهم ذلك في توقفها الذي ما زالت أسبابه وتداعياته بحاجة إلى شفافية وبحث.