رنا البايع

الخوف المتراكم الّذي هزّنا

4 دقائق للقراءة

خلافاً للتعريفات الشائعة ان الانسان هو حيوان ناطق بحسب ارسطو، وأنّ الانسان هو كائن يفكر بحسب ديكارت، تجربتي مع الهزّة الأرضية وما بعدها جعلتني أميل أكثر الى الاعتقاد أنّ الانسان هو الكائن الذي يخاف. فالخوف هو الغريزة الأم والمحرّك الأساس, لذا تصلح تسمية الإنسان بالمخلوق الخائف، لأنه لولا خوف الكائن الحي لانقرض.



استخفّ الكثيرون بخوفنا على وسائل التواصل الاجتماعي وخارجها بحجة أنّنا تعرّضنا لارتدادات الهزة الارضية التي دمرت مدنًا في سوريا وتركيا: أنتم شعب تحبون الدراما وتستمتعون بتمثيل دور الضحية فيما الضحايا الفعليون هم من فقدوا أرواحهم في الزلزال المدمر.


قد يكون التحليل نابعاً من منطق وفيه كثير من الحقيقة، لكن للحقيقة دومًا وجهان وروايتان وتحليلان. اذا لم تكن لبنانيا منذ أكثر من عشر سنوات فلا تجوز لك المقارنة او الاتهام او السخرية. اذا لست لبنانيًا على الهوية مقيمًا على الأرض اللبنانية، لن تعرف شيئا عن خوفنا.



ما بعد الهزة

نعيش اليوم ذهول النجاة من الزلزال، حزنًا على الضحايا، وخوفًا من المستقبل. نحن شعب ضربنا أكثر من زلزال منذ 2019، كورونا وانهيار الليرة وجريمة المرفأ والجرائم اليومية التي ترتكبها سلطتنا بحق لقمة عيشنا وصحتنا ومستقبلنا. نقتل بهدوء وخفة، بمهارة سلطة تتفنن يوميًا بدحرنا الى جحور العتمة، على مرأى من عالم أخرس. ما نعيشه قادر ان يزلزل حكومات ويغيّر وجه بلد، الّا في لبنان يكبحنا الخوف من مستقبل هم جهّلوه، الخوف على لقمة عيش هم سرقوها، على دواء هم أخفوه ، على ثورة هم أخمدوها.


أشباه جثث، زومبي، هكذا نحن، ننام على بؤس ونصحو على آخر، حتى النهوض صباحًا مشقّة لنا. نعاني اهتراءً داخلياً، يصاحبه خوف من المجهول ورعب من الآتي. تضربنا يوميًا ارتدادات الحلم بوطن طبيعي. ننجو في لبنان فقط لا نحيا.


إنّ الهزة المدمّرة التي وصلتنا ارتداداتها وتفاوتت بين منطقة واخرى، أظهرت حجم الخوف المتراكم الذي يسكننا اذ لم نعد نحتمل أدنى صوت أو أية حركة غير طبيعية للطبيعة. قد لا يفهمنا الآخرون لأنهم ببساطة مواطنون بدرجة أعلى منّا في بلدانهم مهما كانت قمعية، فيما نحن مواطنون درجة خامسة نعيش بأدنى مقومات الحياة في ظل سرقة العصر حيث نُهب جنى عمرنا في المصارف، وجريمة العصر في مرفا بيروت.


مَن يدّعون أنهم لا يخافون هم كاذبون. ويقول مخرج أفلام الرعب ألفريد هيتشكوك: "الانفجار لا يرعب، إنما انتظار حدوثه"، هكذا نحن، نعيش يوميًا خوفًا من الانفجار التالي، من المصيبة التالية... جحيمنا الذي يحرق أنفاسنا ويبخّر ما تبقى من رجاحتنا، يسجننا في الخوف، يبقينا دائمًا حذرين و"على أعصابنا" من مكروه عتيد.



الى الله در


في خوفنا نتذكّر الله ونستدعيه، فنعطي لرجال الدين فرصة تاريخية للاستثمار بخوفنا: عودوا الى ربكم... يقول سيغموند فرويد ان "الدين ينبع من عجز الانسان في مواجهة قوى الطبيعة في الخارج والقوى الغريزية داخل نفسه"، لذا تبدو العودة الى الله أسهل وأقل ضررًا وأكثر أماناً.

وفي خوفنا ايضًا نعطي للسلطة الحاكمة ثغرة جديدة للتسلّل الى عقولنا وإحكام القبض علينا والسيطرة على أفعالنا. تستغلّ السلطة المصائب والكوارث لتمتطي فرس الخلاص وتوهم الشعب انها ستحلّ كل المشاكل ما عليهم سوى الوثوق بها... فيقع المحظور ونعود الى المربع الأوّل من الاستعباد بعد أن قطعنا شوطاً كبيراً نحو الحرية والوعي. محظوظة سلطتنا فكلما اشتعلت النار تحتها أخمدتها جائحة او حرب او زلزال. في نفس السياق يرى سقراط ان "الخوف يجعل الناس أكثر حذرًا وأكثر طاعة وأكثر عبودية"، فكيف اذا كان خوفنا متراكمًا على مدى أجيال؟ تلتزم السلطة بجدية تامة تأمين كلّ حاجاتنا من الأزمات والشدائد والكوارث حتى لا نلتقط أنفاسنا ويبقى الخوف يشلّ قدرتنا على اتخاذ القرارات، فتنير هي الطريق نحو الحلول المثلى التي فعليًا تساعدها هي للمحافظة على موقعها المتحكّم. "أُترك الشعب مشغولا، مشغولا، مشغولا، حتى لا يبقى له وقت للتفكير، وأعده إلى القطيع مع باقي الحيوانات"، كما يقول نعوم تشومسكي. انها غريزة البقاء لدى السلطة التي بدورها تشعر بخوف من فقدان امتيازاتها لذا تعمل جاهدة على استمراريتها من خلال نقل الخوف الى صفوف الشعب وتغذيته بما تراه مناسباً لها. الشعب ميدان تجارب لها تديره على هواها.



"الخوف لعنة الانسان"، يقول فيودور دوستوفسكي، فيما المتنبي يقول " أنا الغريق فما خوفي من البلل"، هناك خوف يدفع الى الفرار أو الاختباء، وخوف يدفع الى المواجهة والثورة، "الشجاعة هي إدارة الخوف وليس غياب الخوف" بحسب مارك توين، فإلى متى سنبقى خائفين؟