أحمد الأيوبي

مبادرتان طرابلسيتان لوقف قوارب الموت واحتواء المباني المتصدّعة

4 دقائق للقراءة
كلّ الرجاء أن يتّسع نطاق التعاون الجادّ للوصول إلى إنقاذ الفيحاء

تواجه طرابلس مخاطر تبدأ ولا تنتهي، وتحدّيات لا تعرف حدوداً تشمل كلّ نواحي الحياة الإنسانية، لكنّها اليوم تكاد تنحصر في مسارَين متلاقيَين عند نقطة جامعة هي تهديد حياة أهل المدينة ومصيرهم، مع انكشاف حقيقة مخاطر الأبنية المتصدِّعة واندفاع البائسين من أبنائها نحو «بحار الموت»، حيث رفع منسوب هذين الخطرين زلزال تركيا المدمِّر وزلزال تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وانهيار شامل لأغلب المواطنين في قدراتهم على تأمين مستلزماتهم الأساسية، ما يهدِّد بتجدُّد موجات الهجرة غير الشرعية في ظروف أسوأ من سابقاتها.

تحمل قضية المباني المتصدِّعة تاريخ الإهمال والإقصاء المتواصل من الدولة لطرابلس قبل الحرب الأهلية وبعد انتهائها، لأنّ غالبية الأحياء والأبنية المتداعية التي دمّرتها الحرب بقيت على حالها، بل تفاقم خطرها مع إضافة طوابق مخالفة خلال فترات الجولات الإنتخابية، وبعد حرب تموز حصلت زيادة طوابق إضافية على أبنية غير صالحة تماماً للسكن وخاصة في منطقة التبانة التي تعاني من تجمّع المياه في أساسات العديد من مبانيها.

قبل الزلزال كانت الإحصاءات تشير إلى وجود 400 مبنى متداعية من بينها 65 في حالة خطر يجب إخلاؤها فوراً ويصل العدد الإجمالي في مدن الفيحاء: طرابلس، الميناء، البداوي، إلى 1500 مبنى.

يتحدّث رئيس البلدية أحمد قمر الدين اليوم عن 700 مبنى، هي على الأرجح عدد الشكاوى التي تقدّم بها ساكنو هذه المباني، لذلك فإنّ رقم الألف وخمسمائة مبنى تضاعف بعد الزلزال، وتمتدّ دائرة المخاطر إلى مخيم نهر البارد حيث ظهرت التصدّعات في عشرات المنازل في المخيّم، وأخلى الأهالي عدداً منها على وجه السرعة، كما يوضح عضو مجلس بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري.

أدرك الجميع أنّ المخاطر هذه المرّة جدّية ولا تحتمل أيّ تجاهل، لذلك بادر النواب أشرف ريفي، جميل عبود، إيلي خوري، وممثل عن النائب ايهاب مطر إلى عقد اجتماع في مكتب ريفي بطرابلس، خصّص للبحث في موضوع المباني المتصدّعة والآيلة الى السقوط، بخاصة بعد الزلزال.

وحسب النائب خوري فإنّ الاجتماع هدف إلى معالجة الوضع الطارئ للمباني المتصدّعة، وبشكل خاص سبعة منها يجري إخلاؤها فوراً، مشيراً إلى أنّ التنسيق أصبح قائماً بشكل جيد بين بلدية طرابلس ونقابة المهندسين لتوحيد الجهود في توفير قاعدة معلومات دقيقة حول المباني المهدَّدة بالانهيار وتنظيم توفير الأموال اللازمة للبدء الفوري بالمعالجة، مع البحث عن أفق لهذه المبادرة الضرورية والمأمول أن تصل إلى نتيجة عملية، مشيراً إلى أنّه يعمل على تشكيل ملف موثّق لعرضه على المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونِتسكا باعتباره ملفاً إنسانياً طارئاً يستحقّ الاهتمام والمبادرة السريعة.

و»بين الواقع المرير وبؤس المصير» الذي تزيده سوءاً مخاطر الهجرة غير الشرعية، حشدت جمعية «أقوى» برئاسة السيدة رولا فاضل نخبة من رجال السياسة والقانون والإعلام، ناقشوا الآثار الإنسانية والاجتماعية والنفسية لهذه الظاهرة التي دمّرت حياة مئات العائلات وقذفت بهم نحو موتٍ محقَّق أشبه بالانتحار، فكشفت النقاشات التي شهدها الملتقى حقائق مخيفة عن مدى غياب الدولة وعجز أجهزتها وفقدان خطط التنمية وسيطرة حال الانهيار على المزاج الشعبي، وتأثير حالة الإحباط على الفئات الأشدّ فقراً وتهميشاً، في دفعها نحو الهاوية.

طرح المشاركون في ندوة «أقوى» مقاربات واقعية عكستها نخبة من أهل الاختصاص ممن حملوا وحملنَ طموحات وآمالاً جسّدتها التوصيات في زمن تخلّى فيه أغلب من يحتلّون مواقع المسؤولية عن مسؤولياتهم. كان لافتاً في مبادرة رولا فاضل ذلك الحضور الإعلامي الواسع الذي جاء إلى طرابلس متضامناً وعكس تعاطفاً إنسانياً ووطنياً من خلال التغطيات التي عمل عليها الزملاء المشاركون، في إطار صورة وواقع منشود بعيد عن الموت، وإن تعدّدت الأسباب.

التقت مبادرتا نوّاب طرابلس والسيدة رولا فاضل زماناً في يوم واحد، وهدفاً في سياق واحد، وكلّ الرجاء أن يتّسع نطاق التعاون الجادّ للوصول إلى إنقاذ الفيحاء من بؤس المصير.