طوني فرنسيس

إيلي الفرزلي يكتب مذكّراته عن إدارة غازي كنعان مصائر لبنان وسياسيّيه

دروس في فنّ البقاء رغم معاكسات الدهور

17 شباط 2020

02 : 10

غلاف كتاب الفرزلي "أجمل التاريخ... كان غداً"
لم يحصل أن اعتنى سياسي لبناني بمذكراته كما فعل ايلي الفرزلي (الذي تحمل عائلته لقب "ابو مخ" منذ عقود مديدة)، النائب عن دائرة البقاع الغربي - راشيا، المتزحلن واقعاً وهوىً، نائب نبيه بري في رئاسة مجلس النواب منذ 1992، وعضو تكتل "التيار الوطني الحر النيابي" منذ تأسيسه في أعقاب انتخابات 2018 التي أعادته الى مقعده النيابي بعد فقدانه له في دورتي 2005 و2009.

800 صفحة من السرد التفصيلي لحياة شخص مجبول بالسياسة، لا مكان فيها لزوجة أو لعائلة خاصة سوى في إشارات... تليها.

15 صفحة لفهرس الأشخاص و5 صفحات لشجرة العائلة الكبرى، وفِي الصفحات جميعها حواشٍ مدروسة ومفيدة تزيد القارئ متعة وترضي ما ينقصه من معلومات ومعطيات.

تسرد المذكرات عناد ايلي الفرزلي في الوصول الى مبتغاه. أن يكون حاضراً في مقدّم القوم الزحلاوي - البقاعي، في ظروف معقدة من الحروب الأهلية والاحتلال الاسرائيلي والإدارة السورية وصولاً الى ما بعد كل ذلك، وصيرورة العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية والحضور بفعالية الى جانبه عضواً "في لجنة المستشارين" الستة، ثم في تكتله النيابي ودائماً رسوله في مهمات تبدأ برئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع ولا تنتهي بالرئيس السوري بشار الاسد.

يحلو للفرزلي أن يقدم نفسه سياسياً بليغاً كما في خطابه الإعلامي اليومي. هو من "الفلاسفة والمفكرين والساسة" الذين راقصوا حكاماً طامحين، هكذا يصف نفسه، وهو القادم من عائلة وطنية "شعبية فقيرة" خصص لها أكثر من مئة صفحة في مطلع كتاب المذكرات.

وقبل العائلة وتاريخها حرص على القول بعمومية التجربة الخاصة أي بتعميمها. وربما هذا هو الهدف الذي يرمي اليه سعادته، إنطلاقاً من تجربة جده الطبيب ملحم، القومي العربي وعمه أديب النائب في البرلمان، "لا الأب كان يستطيع أن يكون اسلامياً في الإطار القومي، ولا الابن كان يستطيع أن يكون مارونياً في الاطار الكياني اللبناني".

رافعتان: آل سكاف وغازي كنعان

دخل الفرزلي السياسة مشبعاً برمزيات الماضي وبشعور الأقلي ابن الأطراف، هو الأرثوذكسي الذي ما أن يقترب من زحلة عاصمة الناحية حتى يكتشف أقلية اخرى تلعب دور الأكثرية، كاثوليكية تصد هجمة مارونية تنتهي الى تكريس زعامة الياس سكاف (والد جوزيف)، إلا أن محاولات "مورنة" المدينة لم تنته، على حد قول الفرزلي المتتبع لها دوماً.

إحتاج الفرزلي الخارج من إشكالات وراثة عائلية في السياسة، الى رافعتين لتحقيق طموحاته، آل سكاف في زحلة وذلك الضابط السوري المقيم في عنجر غازي كنعان وخلفه رستم غزاله، فمن دون هؤلاء ما كان لنجم الرجل ان يسطع طوال تلك المدة.

على سكاف طرح في عزّ هجمة أحزاب الجبهة اللبنانية (المارونية) فكرة "تجزئة المشاعر المذهبية" في مذكرة مكتوبة، هدفها إعادة الاعتبار الى خصوصيات الطوائف، وبدأ التنفيذ باحياء المجلس الرعوي للطائفة الأرثوذكسية في زحلة، الذي سيكون لبنة في إطار سياسي جديد يستند إليه غازي كنعان في مشروعه لـ"تحرير" زحلة من أحزاب "الجبهة اللبنانية" وميليشياتها!

دائماً كان يضع أفكاره في مذكرات مكتوبة. خصوصاً في علاقته مع السوريين عبر كنعان. وفي الكتاب شواهد لا تحصى عن عمل الفرزلي مع كنعان وولائه المطلق لنصائح الضابط السوري ومن يمثّل، حتى ليكاد المرء يعتقد انه يقرأ مذكرات غازي كنعان وليس مذكرات ايلي الفرزلي. وكنعان الذي استقبل الفرزلي رغم تلقيه إخباراً عن تعامله مع الاسرائيليين العام 1982، ثم عمل معه وأصبح أحد أبرز رموز العلاقات مع سوريا وأجهزتها، بدا أنه اقتنع برواية الرجل عن اتصالاته مع الاسرائيليين عندما احتلوا بلدته جب جنين، وهو في روايته يتحدث عن لقاءين الاول لدى تدخله للحفاظ على منزل قائد قوات الردع سامي الخطيب، والثاني عندما تسلم لائحة بالوطنيين المطلوبين فأبلغهم بضرورة الهرب!!!

الرجل الأول في عنجر

تحول الفرزلي الى رجل أول في عنجر. لم يعمل كمخبر وإن كان ذلك جزءاً جانبياً من عمله، بل سعى في ترتيب أمور كثيرة بدءاً من ترتيبات زحلة التي حوّلت كنعان حاكماً للبقاع، وأدى تعميم روحية تلك الترتيبات في البقاع الغربي ثم في طرابلس وأخيراً في بيروت 1987 الى جعل كنعان حاكماً للبنان. وفي كل تلك الأوقات برز الفرزلي كشخص له اتصالاته الواسعة ورؤيته للتطورات التي سيتقاسمها مع الضابط السوري، الذي سيهديه في 1983 أيقونة ذهبية لا تزال معلّقة في رقبته حتى اليوم.

الفرزلي هو من اقترح مخايل الضاهر لرئاسة الجمهورية قبل أن يطرحه الاميركيون. وقد حمل كنعان الاقتراح الى حافظ الاسد فوافق عليه. وهو ما حصل لاحقاً مع الياس الهراوي الذي كتب فيه مطالعة أقرها الرئيس السوري...

حصل الطائف والفرزلي ليس نائباً. إلا أن الحظ ابتسم له فأصبح نائباً بالتعيين: "في مطلع حزيران (1991) دعا غازي كنعان الى اجتماع في منزله في شتورا، حضره الياس الهراوي، حسين الحسيني، عمر كرامي، عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي. استمر الاجتماع ٣ ساعات وأفضى الى اتفاق على لائحة بأسماء النواب الأربعين الذين سيتخذ مجلس الوزراء قراراً بتعيينهم".

بات الفرزلي نائباً، حقق حلمه. وفِي انتخابات 92 التي قاطعها المسيحيون زيد عدد المقاعد النيابية الى 128 "بقرار سوري، لا لبناني فقط"، ليرضي السوريون "حلفاءهم الذين قاتلوا في خطهم السياسي فوزعوا عليهم المكاسب والمغانم".

أتقن الرجل فن البقاء والتأقلم، يتبنّى رواية سوريا و"حزب الله" عن اغتيال الحريري، ما أدى الى إبعاده عن مجلس النواب من 2005 الى 2018، لكنه استمر في الحياة السياسية مواظباً على زياراته الى دمشق وملتحقاً بحليفيها الثابتين "حزب الله" والرئيس عون.

مذكرات مليئة بالتجارب والاتصالات والمعلومات، مرصوفة بعناية على يد سبّاك ضليع في الفرز والضم، همّه في النهاية ضمان حضور الأقليات في نظام تكتسحه الأكثريات. وهو نجح في ضمان حضوره كأقلي عبر علاقته بالاستخبارات السورية، لكن ما يريده ويختم به هو إقامة نظام تمثيلي لم يخفه ولا يزال متمسكاً به أو بروحيته: "القانون الانتخابي الأرثوذكسي".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.