دار نشر صغيرة في اسطنبول تحافظ على الأدب الأرمني

6 دقائق للقراءة

تُعرِّف دار نشر صغيرة القرّاء الأتراك الى شخصيات أدبية أرمنية تم تجاهلها لفترة طويلة وتحارب في الوقت نفسه لإنقاذ اللغة الأرمنية الغربية، ما يجعل اسطنبول مركزاً غير متوقع لإصدار كتبٍ بلغة مهددة بالانقراض.

افتتحت دار نشر "أراس" للتو قسماً للأطفال ومكتب تحرير جديداً بفضل تبرعات من القرّاء، ويشمل هذا المكان مساحة مُصمّمة لتعميق الروابط بين قرّاء منشوراتها. يستضيف "صالون زابيل يسايان" الذي سُمّي تيمناً بالكاتبة النسوية من الحقبة العثمانية المحاضرات وجلسات قراءة مع الكتّاب وورش عمل متنوعة. يشمل برنامج هذا الشهر نقاشات عن الشباب الأرمني في اسطنبول وعن انبهار السلطان العثماني بقصص التحري الخيالي شيرلوك هولمز.

إنها خطوة جريئة من جانب صحافة مستقلة في زمنٍ تشهد فيه تركيا رقابة مشددة على حرية التعبير والنقاشات المرتبطة بالضوابط المفروضة على الأقليات المحلية، وفي زمنٍ يبقى فيه موضوع الإبادة الجماعية بحق مليون ونصف أرمني خلال الحرب العالمية الأولى جزءاً من المحرمات. لكن حتى هذه الجهود الثقافية تحمل المخاطر: في شهر تشرين الأول الماضي، منعت السلطات التركية عقد مؤتمر أكاديمي حول التاريخ الأرمني من دون تبرير قرارها.

يقول رئيس التحرير روبير كوبتاس: "نريد بناء الجسور عبر الحوار، ونعمل على تحقيق هذا الهدف عن طريق المعرفة والأدب والثقافة. هل سنواجه العواقب؟ كل شيء ممكن في هذا البلد لكن لا خيار أمامنا إلا المحاولة. نحن أشبه بالطحالب البحرية التي تلتصق بالصخور: قد نكون من آخر الناشطين في هذا المجال وسيتناقص عددنا حتماً مع مرور الوقت، لكنها طريقتنا لترك بصمتنا في الحياة".اليوم، تُعتبر "أراس" دار النشر الوحيدة التي تقدم كتباً باللغة الأرمنية الغربية في تركيا. إنها اللغة التي تكلم بها معظم الأرمن المقيمين في السلطنة العثمانية، وهي تختلف عن الأرمنية الشرقية المستعملة في جمهورية أرمينيا. لم يبقَ إلا 250 ألف شخص من الناطقين بهذه اللغة الأصلية، وهم يتركزون بشكلٍ أساسي في تركيا ولبنان وسوريا وأوروبا والأميركيتَين، وفق وكالة اليونسكو الثقافية التي تعتبر اللغة الأرمنية الغربية "مهددة بالانقراض".



الروائية والمترجمة والأستاذة زابيل يسايان


تعرض دار "أراس" حوالى ثلث مؤلفاتها بالأرمنية الغربية. زادت أهمية مهمّتها الأساسية منذ بدء الحرب في سوريا المجاورة، حيث هرب حتى 70% من الأرمن من الصراع القائم منذ تسع سنوات. يقول يتفارت توفماسيان، أحد مؤسسي "أراس": "كانت حلب تحافظ على الأدب الأرمني الغربي. لكن انهار هذا التقليد مع اندلاع الحرب، فلم تَبْقَ إلا بيروت واسطنبول".

في الحالات العادية، تُطبَع ألف نسخة باللغة الأرمنية ولا تدرّ الأرباح لدار نشر "أراس". تقول المُحرّرة لورا ساري: "إن نشر هذه الكتب صعب من الناحية المادية، لكنّ الحفاظ على اللغة الأرمنية الغربية هو سبب وجودنا". يُشحَن جزء صغير من الكتب إلى الخارج، لكن يقيم معظم قرّاء "أراس" في تركيا، حيث يشكّل 50 ألف أرمني تقريباً أكبر جماعة مسيحية في تركيا (من أصل 83 مليون نسمة).معظم قرّاء "أراس" هم من الأتراك إذاً وقد أعادت دار النشر إحياء كتّاب جمهوريين قدامى من أمثال زافين بيبريان وهاغوب مينتزوري. تضيف ساري: "نظن أن جميع الناس سيرغبون في قراءة مؤلفات كتّاب عظماء من وطنهم. وقبل افتتاح "أراس"، لم يستطيع الأرمن ولا الأتراك إيجاد عدد كبير من هذه المؤلفات".

تُعتبر زابيل يسايان أعظم كاتبة مولودة في اسطنبول لم يسمع بها معظم الأتراك يوماً. لقد كانت أول امرأة أرمنية تدرس في الجامعة خلال حقبة السلطنة العثمانية، وهي المرأة الوحيدة التي وَرَد اسمها على لائحة كبار المفكرين في 24 نيسان 1915، وكان ذلك الحدث من الأسباب التمهيدية لارتكاب الإبادة الجماعية. هربت يسايان من الاعتقال ولجأت إلى الاتحاد السوفياتي قبل أن تعود وتموت خلال حملة الترهيب الكبرى في العام 1943. كانت يسايان ناشطة ضد الحرب وتطرقت إلى موضوع اللامساواة في رواياتها وقصصها الصغيرة ومقالاتها الصحافية، بما في ذلك رواية The Last Cup (الكوب الأخير) في العام 1918، وقد أصبح هذا الكتاب متاحاً الآن باللغة التركية للمرة الأولى.

كانت رواية Infidel Quarter (الحي الكافر) للكاتب ميغيرديتش مارغوسيان الكتاب الوحيد الذي ترجمته دار "أراس" إلى اللغة الإنكليزية ونشرته في العام 2017 بالتعاون مع معهد "غوميداس". طرح مارغوسيان للمرة الأولى أفكاراً حلوة ومُرّة عن نشوء آخر الجماعات الأرمنية في مدينة ديار بكر الكردية في العام 1984 باللغة الأرمنية الغربية، قبل أن ينشر نسخة تركية من الكتاب الذي بيع منه أكثر من 40 ألف نسخة. ترجمه المعجبون به إلى اللغة الكردية أيضاً في العام 1999.

يقول مارغوسيان إنه يستثمر تلك الأرباح في دار "أراس" مجدداً لمتابعة إنتاج المؤلفات باللغة الأرمنية الغربية. احتفلت دار النشر بعيد ميلاد عميدها الثمانين في العام 2018 عبر إصدار Fillaname الذي يشمل مقتطفات كاملة من أعماله. عنوان هذا الكتاب هو عبارة عن تلاعب بكلمة كردية تعني "كافر".

لقد اختفت معظم أجزاء الحي الذي تدور فيه أحداث Infidel Quarter ويعود إلى القرون الوسطى، وكانت شوارعه الضيقة محور اشتباكات عنيفة بين قوى الأمن والمقاتلين الأكراد في العامَين 2015 و2016. هدمت السلطات مساحات من الحي أيضاً للتخلص من المقاتلين ورُمِي ركام المنازل الحجرية التي بناها عمّال أرمن في مياه نهر دجلة المتدفق تحت المدينة.يضيف مارغوسيان: "لقد هُدِمت المنطقة الواقعة داخل أسوار المدينة القديمة، أي تلك التي كنا نسمّيها في الماضي "حي الكفار". وفي الشارع الذي حمل اسمي، لم يبقَ ولو منزل واحد في مكانه. اكتسب الكتاب قيمة مختلفة حين اختفت الأماكن التي يصفها فجأةً".

اصطف عشرات المعجبين لنيل توقيع مارغوسيان الشخصي خلال معرض للكتب في اسطنبول في العام 2018، فجلبوا معهم نسخاً قديمة من Infidel Quarter باللغتين التركية والكردية. بالنسبة إلى القرّاء في ديار بكر، لا يُعتبر مارغوسيان مجرّد كاتب مفضّل لديهم، بل إنه صلة وصل حيّة مع مدينة وماضٍ أصبحا اليوم شبه مفقودَين.