علاقة إنفصالية يعيشها قسم كبير من الشباب اليوم مع شاشة التلفزيون، بحيث يعتبرون أنّه لم يعد يقدّم مادة تحاكي اهتماماتهم وتجذبهم. في المقابل، يتوجّهون لتمضية ساعات متواصلة وهم يتابعون المسلسلات والأفلام عبر منصّات البث الرقمي، بحثاً عن الترفيه والتسلية، إضافة لكون هذه المنصّات تمنحهم حرية اختيار وخصوصية غير موجودة في التلفزيون. وفي هذا الإطار، تعتبر "يارا" أنّ التلفزيون يحدّ من حركتها ويجبرها على التواجد في مكان واحد أثناء المشاهدة. والبديل عنه هو التطبيقات التي تعرض محتوى التلفزيون وتتنقّل معها داخل هاتفها النقّال أو "التابلت".
"يارا" التي تمضي أكثر من خمس ساعات يومياً وهي تتابع المسلسلات عبر تطبيق "نتفليكس"، تشير لـ"نداء الوطن" الى أنّه يعرض الفيديوهات والبرامج والمسلسلات والأفلام العالميّة مع تحديث يوميّ أو أسبوعيّ، وبالتالي يمكنها اختيار ما تودّ مشاهدته في المكان والتوقيت الذي يناسبها، وهذه ميزة غير متوفرة في التلفزيون. وتقول: "إذا أردنا مثلاً أن نشاهد مسلسلاً تلفزيونياً، علينا أن نتابعه لمدّة شهرين أو ثلاثة كي ينتهي.
كما أنّنا نشاهد تقريباً نفس البرنامج على مختلف الشاشات في الوقت نفسه". أما لناحية المضمون، ترى "يارا" أنّ نوعية البرامج التي يتمّ عرضها لها تأثير كبير على انفصال الشباب اليوم عن متابعة القنوات التلفزيونية.
وتوضح: "نحن نبحث عن برنامج تلفزيوني بعيد عن الروتين اليومي. برنامج مسلّ من شأنه أن ينقلنا من أجواء الضغط النفسي الذي نعيشه في يومياتنا الى أجواء من الإيجابية والتسلية. وللأسف فإنّ أغلبيّة المحاولات لخلق برنامج يحاكي الفئة الشبابية وقعت في فخّ السطحية. والدليل هي العبارة التي يردّدها الشباب بشكل مستمر "ما في شي على التلفزيون".
من جهته، يوافق "إيلي" على ما تقوله "يارا" حول تحكّم البرامج التلفزيونية به لناحية الوقت، ولذلك من النادر جدا أن يشاهد التلفزيون. وفي حال أراد متابعة برنامج ما، يفضّل أن يفعل ذلك عبر الأونلاين الذي يوفّر له إمكانية اختيار التوقيت الذي يناسبه بدلاً من انتظار التوقيت الذي تفرضه البرمجة التلفزيونية، مشيراً الى أنّه يفضّل البرامج ذات الطابع الإجتماعي.
هذا ولفت "إيلي" الى أنّه يشاهد المسلسلات والأفلام أونلاين بما يقارب الساعتين يومياً، وفي أغلب الأحيان عبر تطبيقي "نتفليكس" و"يوتيوب"، التي تلبّي له طلباته وتؤمّن له المادة التي يرغب بمتابعتها.
أما "لين"، فتعترف بأنّها تقضي يومياً بين أربع وعشر ساعات وهي تشاهد المسلسلات عبر منصّة "نتفليكس". وفيما تنفي أن يكون ذلك نوعاً من الإدمان، تؤكّد على أنّها حين تتوقّف عن المشاهدة خلال فترة الإمتحانات التي تمتدّ أحياناً من أسبوع الى أسبوعين، يمرّ الأمر بشكل طبيعي من دون أن تشعر بأيّ نقص أو إزعاج.من جهة أخرى، تعتبر أنّ الإعلانات هي العامل الأساسي الذي يبعد الشباب اليوم عن مشاهدة التلفزيون ويقرّبهم من "نتفليكس"، إضافة الى أنّه يتيح لها أن تكمل ما تشاهده من حيث توقّفت في المرة السابقة، كما يوفّر لها إمكانية إختيار المكان الذي يناسبها.
وعن مضمون البرامج التلفزيونية تقول: "نحن نبحث عن برنامج يقدّم لنا المعلومات العامة، ويعرض لنا آخر الأبحاث العلمية التي توصّل اليها الخارج. بعض البرامج الإجتماعية تستهويني، بالإضافة الى البرامج الكوميدية كبرنامج هشام حداد مثلاً".

"أصبح لكلّ شخص تلفزيونه الخاص بين يديه"من جهته، أشار أستاذ العلوم الإجتماعية السابق في كلية الفنون والعمارة في الجامعة اللبنانية الدكتور الياس مطر الى أنّ الإنسان اليوم أصبح ميّالاً كي يختار بنفسه الأمور التي تناسبه شخصياً وفق احتياجاته واهتماماته. وبما أنّ التكنولوجيا تسمح له بالإختيار وبشخصنة علاقته مع الشاشة، أصبح بإمكان كل فرد أن يختار البرامج والأفلام التي يحبّ متابعتها.
وأضاف في حديث لـ"نداء الوطن" أنّ "يوتيوب" مثلاّ يوفّر لمشاهديه فيديوهات تنقل له تقنيات جديدة وتزيد من معرفته ومعلوماته. وفي وقت لا يزال الجيل الأكبر يلجأ الى الطريقة الكلاسيكية وهي متابعة شاشة التلفزيون، لا يشاطره الشباب بهذا الاهتمام. لكن ما يجمع ما بين الجيلين هو الهاتف.
وتابع: "حتى كبار السنّ، وأثناء مشاهدتهم للتلفزيون يستخدمون تطبيق الواتساب على الهواتف لتبادل الرسائل أو لمشاهدة فيديوهات قصيرة، وبالتالي فقد أصبح كل شخص يمتلك تلفزيونه الخاص بين يديه". وأكّد الدكتور مطر أنّه لا يجوز أن نظلم التلفزيون ونعتبر أنه لا يقدّم مواد جذابة ومهمة، بحيث أنّ عدداً كبيراً من القنوات وبخاصة العالمية منها، تعرض مواد تثقيفية مهمّة، لكنّ الشباب لا يتابعها لأن التفاعل مع الهاتف المحمول والتطبيقات المتوفّرة فيه هو تفاعل عفوي أكثــر من التفاعل مع شاشة التلفزيون. الى جانب ذلك، أشار الى أنّه من دون أدنى شكّ فإنّ مشاهدة التطبيقات لمدّة ساعات متواصلة قد يعتبر إدماناً، وأوضح قائلا: "لكنّ كلمة إدمان قاسية بعض الشيء.
لأننا نذهب في تفكيرنا تلقائياً نحو إدمـان المخدرات. لكنّ الإدمان لا ينحصر هنا، فكما يمكن أن يكون الانسان مدمناً على القراءة أو على الحلويات، كذلك يدمن على التطبيقات الهاتفية".
وعن الإنعزال جراء لجوء الشباب الى التطبيقات لمشاهدة الفيديوهات على انفراد، اعتبر الدكتور مطر أن ذلك يعتبر خطراً بالنسبة للأشخاص الذين لا يزالون يؤمنون بالعلاقات الإجتماعية، وليس الجميع.
وسأل: "من قال أنه بعد عشرين سنة سيستمرّ الناس بزيارة بعضهم مثلما يحدث اليوم؟ أنا متأكد أن العالم ذاهب نحو شخصانية أكبر، ونحو انعزال أكبر". وشدّد على أنّ هذا الانعزال ليس مطلقاً، كون التطبيقات تساهم في انفتاح الأشخاص على عالم كبير، وبالتالي فهو انعزال جســـدي للفرد عـن الانسان الذي بجانبـــه.