مراجعة كتاب السلاح الإقتصادي

كيف يتمّ تصعيد العقوبات كأداة للحروب الحديثة بين الدول؟

02 : 00

لاقى كتاب «نيكولاس مولدر» الأول الذي نُشر قبل شهر من غزو روسيا لأوكرانيا اهتماماً كبيراً من الصحافة. إذ تصدرت العقوبات المفروضة على الأشخاص أو التجارة أو التمويل اهتمامات الرأي العام. ويقدم الكتاب أصل وتاريخ ما سَمَّاه «السلاح الاقتصادي»؛ فيرجعه إلى عام 1919 عندما تم فرض العقوبات في وقت السلم لتحقيق أهداف عسكرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة.

حينها أدرج المنتصرون في الحرب العالمية الأولى «السلاح الاقتصادي» في المادة 16 من ميثاق «عصبة الأمم»، التي فرضت عقوبات جماعية على أي دولة عضو تشن حرباً عدوانية، وقاموا بتحويله من سلاح في وقت الحرب، إلى آلية تُستخدم وقت السلم. قد تمت تجربة هذا السلاح الاقتصادي بالفعل في الفترة ما بين الحربين، لكنها لم تحقق النتائج المنشودة.

ساد الاعتقاد أن سياسة عقوبات عصبة الأمم كانت سياسة ضعيفة؛ إذ إنها لم تردع إيطاليا عن غزو إثيوبيا في أواخر عام 1935. بيدَ أنَّ «مولدر» يخالف هذا الاعتقاد ويجادل بأن هذه العقوبات كانت بالفعل أقوى مما يظن البعض. ويبرهن على ذلك بأن الحظر المفروض على إيطاليا قد دفع «موسوليني» إلى اتخاذ تدابير عدوانية للحصول على قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

وهنا يشدد «مولدر» على أن العقوبات الاقتصادية لا يمكن أن تحل محل القوة العسكرية، بل على العكس تماماً إذ تتطلب عمليات الحصار الاقتصادي القوة العسكرية لتكون فعالة. وتسعى البلدان المهددة بالعقوبات إلى البحث عن إيجاد حلول بديلة أو اتخاذ التدابير اللازمة لوقف التجارة. على سبيل المثال، من خلال اجتياح الدول المجاورة الغنية بالموارد، وهو المسار الذي اتبعته دولٌ مثل إيطاليا وألمانيا واليابان.

وهكذا يبدو أن سياسات العقوبات قد سهّلت تأجيج النزاعات بدلاً من نزع فتيلها من خلال توفير خطوات وسيطة بين السلام والحرب الشاملة. كما أضافت سياسات العقوبات حالة من عدم اليقين، وساهمت في اختبارات القوة المزعزعة للاستقرار.

وهنا تظهر خطورة «السلاح الاقتصادي» عندما تتم مقارنته بالأسلحة التي تم استخدامها ضد المدنيين في فترة ما بين الحربين العالميتين؛ فقد اتضح أن الحصار الاقتصادي كان الأشد فتكاً على الإطلاق في الحرب العالمية الأولى.

فقد تسبب الحصار في قتل مئات الآلاف من المدنيين، بسبب ما نتج عن العزلة الاقتصادية من جوع، ومرض في أوروبا الوسطى، ومزيد من الوفيات في المقاطعات العثمانية في الشرق الأوسط متأثرة بالحصار الأنكلو – فرنسي قبل الحرب العالمية الثانية. رغم ذلك، لم يكن من السهل تسليط الضوء على أدلة الإدانة، لإبراز الآثار القاتلة للحصار، حتى بالنسبة لمستخدميها المباشرين.

أعرب «أرنولد فورستر» عن قلقه من أن السلاح الاقتصادي هو السلاح الذي يسهل استخدامه بدرجة كبيرة؛ فهو يبدو أنظف أدوات الحرب، ويمكن التعامل معه من قبل الهواة بمجهود أقل بكثير، وإدراك أقل للعواقب.

كانت العقوبات الاقتصادية جذابة ليس فقط بسبب قوتها المحتملة، ولكن أيضا لأنها كانت سهلة الاستخدام لمن يتعاملون معها، ولم تكن سلطتهم القسرية تدار من قمرة قيادة قاذفة قنابل، أو من مؤخرة مدفع بل من وراء مكتب رئاسي.

بدت العقوبات كأنها ممارسة جيدة لحفظ السلام مقارنة بالآليات التأديبية الأخرى التي فرضتها الإمبراطورية الغربية.

بينما كان الحماس لها في باقي العالم محدوداً، وبدأ يتسبب في مشكلات، أصبح نظام الأمن الجماعي القائم على التبادل بين العقوبات، والمعونات معروفاً، كان تبرير إلحاق الأذى بالدول عن بعد للنخب الأوروبية التي اعتادت على إدارة الإمبراطوريات الاستعمارية أسهل بكثير من تبرير الحرب.

أثارت العقوبات تساؤلات عظيمة حول علاقة أوروبا بالعالم الأكثر رحابة، وعلى الرغم من كل الأحاديث النبيلة عن إنهاء الحرب بين القوى العظمى، فقد بات من الواضح في أوقات الأزمات الدبلوماسية أنها كانت تستهدف غالباً الدول الأصغر حجماً.

لقد أثبتت التجربة، أن استخدام العقوبات الاقتصادية كبديل للحروب مجرد أمل بعيد المنال، فاليوم يترنح الاقتصاد العالمي بين الأزمات المالية، والنزعة القومية، والحروب التجارية.

تعمل العقوبات على تفاقم التوترات القائمة في إطار العولمة، ومن المؤسف أن المقصود من العقوبات تعزيز الاستقرار الدولي، إلا أن العواقب السلبية غير المقصودة قد تكون مدمرة بقدر الضرر المتعمد.