خالد زين الدين

لبنان... سنوات الفرصة الضائعة بين الحروب والصراعات الداخلية

5 دقائق للقراءة

الحرب... كلمة من ثلاثة أحرف، لكن وقعها على الآذان أشد من دويّ الرصاص وأصوات المدافع. ومعها تعاني الشعوب أقسى صنوف الألم، وقد كان لبنان، على مدى ما يقارب ثمانية عقود، مثالًا حيًا على ذلك، إذ لم يهنأ اللبنانيون يومًا بسلامٍ مستدام، حتى في فترات «اللاحرب» التي لم تكن تخلو من التوتر والقلق.

وليس بعيدًا عن لبنان، وفي محيطه الآسيوي، غيّر السلام وطيّ صفحة الحروب وجه دولٍ إنتقلت من الدمار والخراب إلى التنمية والإزدهار.

ولعل خير مثال على ذلك اليابان، التي خاضت أهوال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تستسلم في أيلول/سبتمبر 1945، عقب الكارثة النووية التي ضربت هيروشيما وناغازاكي في آب/أغسطس من العام نفسه، وأودت بحياة أكثر من 220 ألف شخص.

وبعد أكثر من ثمانية عقود على تلك المأساة، تبدلت صورة اليابان كليًا، فأصبحت واحدة من أكبر اقتصادات العالم، ونموذجًا عالميًا في الصناعة والتكنولوجيا والابتكار، حتى بات البعض يصفها بـ«كوكب اليابان».

والأمر ذاته ينطبق على كوريا الجنوبية، التي عاشت سنوات عصيبة بسبب الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953، والتي انتهت بهدنة أوقفت نزيف الدم. ورغم أن الكوريتين لا تزالان، من الناحية القانونية، في حالة حرب لعدم توقيع معاهدة سلام، فإن كوريا الجنوبية تحولت خلال العقود التالية إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم، وإلى زعيمة «النمور الآسيوية»، مع اقتراب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 40 ألف دولار.

وبالعودة إلى لبنان، نستعرض سنوات الفرص الضائعة في بلاد الأرز، التي انجرفت إلى دوامة لا تنتهي من الحروب والصراعات، الداخلية منها والخارجية، لتبقى الدولة اللبنانية أسيرة الأزمات بدل أن تسلك طريق الاستقرار والتنمية.

ففي أواخر أربعينيات القرن الماضي، انخرط لبنان في الحرب العربية الإسرائيلية عقب إعلان قيام دولة إسرائيل ، ضمن التحالف العربي الذي خاض حرب عامي 1948 و1949.

ولا تزال آثار تلك الحرب تلقي بظلالها على لبنان حتى اليوم، ولا سيما في الجنوب، حيث أوجد اتفاق الهدنة عام 1949 واقعًا أمنيًا وعسكريًا معقدًا، جعل الحدود الجنوبية إحدى أكثر المناطق حساسية وتأثرًا بالصراع العربي الإسرائيلي، ثم بالصراع بين إسرائيل وحزب الله على مدى عقود.

وقد كان دخول لبنان تلك الحرب نابعًا من التزام قومي عربي تجاه القضية الفلسطينية، غير أن فشل الجيوش العربية في منع قيام دولة إسرائيل انعكس سلبًا على لبنان كما كان نكبة على فلسطين.

كما أسفرت الحرب عن تدفق أكثر من مئة ألف لاجئ فلسطيني إلى لبنان، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن العدد بلغ نحو 150 ألفًا، في وقت كان عدد سكان لبنان يتراوح بين 1.1 و1.2 مليون نسمة، ما شكّل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا على الدولة الفتية.

وبعد عشر سنوات، شهد لبنان أزمة سياسية وأمنية حادة خلال أحداث عام 1958، التي اتخذت طابعًا طائفيًا، واستدعت تدخل القوات الأميركية بناءً على طلب الرئيس كميل شمعون، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1300 شخص، قبل أن تدخل البلاد لاحقًا في الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عامًا.

وقبل اندلاع الحرب الأهلية، لم يكن لبنان بمنأى عن تداعيات حرب حزيران/يونيو 1967، فعلى الرغم من عدم مشاركته المباشرة فيها، تعرض لاعتداءات إسرائيلية، كان أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي أواخر عام 1968، والتي أدت إلى تدمير معظم أسطول شركة طيران الشرق الأوسط، مضيفةً خسارة جديدة إلى سجل لبنان.

ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، لتغرق البلاد في صراع دموي متعدد الأطراف، أودى بحياة نحو 120 ألف شخص، وخلّف دمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا هائلًا.

وانتهت الحرب بتوقيع اتفاق الطائف، الذي أوقف القتال، لكنه لم يمحُ آثار خمسة عشر عامًا من النزيف، إذ احتاج لبنان إلى سنوات طويلة وتكاليف باهظة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

وفي تلك المرحلة أيضًا، تحول لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة بين النظامين السوري والعراقي، في ظل الخلاف بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس العراقي صدام حسين، حيث استُخدمت الأراضي اللبنانية لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية، ما أدى إلى مزيد من استنزاف الاقتصاد، وتدمير البنية التحتية، وإضعاف مؤسسات الدولة.

وتتوالى السنوات، ليجد لبنان نفسه مجددًا على خط المواجهة مع إسرائيل، مع امتداد تداعيات الحرب التي اندلعت في قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شهد الجنوب اللبناني مواجهات متكررة بين حزب الله وإسرائيل، رافقتها اعتداءات إسرائيلية واسعة النطاق.

وبحسب التقديرات فإن الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الحرب منذ عام 2024 تُقدّر بما بين 25 و26 مليار دولار، ليستمر مسلسل استنزاف الاقتصاد اللبناني وتدهور الأوضاع المعيشية.

وهنا يبرز السؤال الكبير: ماذا لو استثمر لبنان مرحلة الهدوء التي أعقبت حرب 1948، ونجح في تحييد نفسه عن الصراعات الإقليمية والانقسامات الداخلية؟

هل كان بإمكانه أن يسلك طريق اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين حولتا أنقاض الحروب إلى نهضة اقتصادية وحضارية؟ أم أن الانقسامات الطائفية والتدخلات الخارجية كانت ستبقى عقبة تحول دون قيام دولة مستقرة وقادرة على استثمار طاقات شعبها؟

لقد أثبتت تجارب الأمم أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو البيئة التي تُبنى فيها الاقتصادات، وتُصان فيها المؤسسات، ويزدهر فيها الإنسان. أما لبنان، فلم يعرف هدنة طويلة تمنحه فرصة حقيقية للنهوض، ولا تزال الصراعات الداخلية والتجاذبات الإقليمية، في كثير من الأحيان، تطغى على مصلحة الوطن، لتبقى سنوات الفرص الضائعة فصلًا مفتوحًا في تاريخ بلاد الأرز.

فهل زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون ستشكل إنعطافة إقليمية ودولية نحو إنهاء الفصل الأخير من الدمار والخراب وتشييد مرحلة السلام والنهوض والإزدهار ؟٠٠٠٠٠٠٠٠٠