أبناء السلطان المدلّلون في بروناي

8 دقائق للقراءة
في واحد من آخر الأنظمة الملكية المطلقة في العالم، على جزيرة "بورنيو" الاستوائية، يعتبر السكان أنفسهم أبناء السلطان المدلّلين ولا يطالبون بالديموقراطية. لكن إلى متى ستدوم ثروة البلد المبنية على أموال النفط؟ على مرّ العقود، بقيت البنى التحتية في هذه المنطقة مُهمَلة فيما صُبّ الاهتمام على القصور الباهظة. أما اليوم، فبدأت بروناي تثبت نفسها في مؤشر القدرة التنافسية العالمي، كما أنّها تحصد علاماتٍ عالية في مجالات متنوعة، منها نوعية طرقاتها وإمدادات الكهرباء فيها والخدمات المتاحة في الموانئ والنقل الجوي.


أثّرت موجة التغيير على موقع أثري يُفترض الحفاظ عليه بأفضل الطرق. تشمل "كامبونج آير" (أو "القرية المائية") أكبر المستوطنات المائية في العالم وتقع في جوار قصور ومكاتب حكومية.

شهدت هذه المنطقة عصرها الذهبي حين كانت العاصمة الحقيقية لسلطنة بروناي ومركزها الاقتصادي. أما اليوم، فيقول زايد علي (76 عاماً)، أحد سكانها المحليين: "بسبب رحيل الناس، أصبحت "كامبونج آير" مجرّد ظل لما كانت عليه".

لا تقتصر المشكلة في هذه المنطقة على الضائقة الاقتصادية العامة. يوضح علي: "في منتصف كانون الثاني 2020، اندلع حريق في منتصف الليل ودمّر عدداً كبيراً من المنازل. خسر جيراننا كل شيء واضطروا لتغيير أماكن إقامتهم. يتكرر هذا الحدث من وقتٍ لآخر هنا. لهذا السبب، يفكر الكثيرون بالرحيل. لكن لم يسقط أي ضحايا لحسن الحظ وأمّن السلطان للمتضررين أماكن إقامة طوال ثلاثة أشهر".يعمل سامسول اسماعيل (23 عاماً) في فندق دولي ويكسب 500 دولار بروني (360 دولاراً أميركياً) شهرياً. هو مصمّم على البقاء مع عائلته في "كامبونج آير": "يشعر الكثيرون باليأس بسبب تدنّي الأجور. بدأت أسعار المأكولات ترتفع أيضاً، لكننا نسـتطيع حتى الآن أن نعيـل أنفسنا مقابل بضعة دولارات يومياً".لا وجود لأي حد أدنى للأجور في القطاع الخاص في بروناي. في العام 2020، من المتوقع أن يصل معدل البطالة إلى 9.10% تقريباً، وهو الأعلى في منطقة جنوب شرق آسيا. مع ذلك، تجذب بروناي عدداً كبيراً من العمال الأجانب، معظمهم من الهند وبنغلادش والفيليبين، لتولي الوظائف التي لا يقبل بها سكان بروناي.

يقول اسماعيل: "السلطان يدللنا ويوفر لنا رعاية صحية مجانية وتعليماً مجانياً وبرنامجاً لتطوير الإسكان. كما أننا لا ندفع أي ضريبة دخل. حتى أنه يفاجئنا بما يفعله، فهو يحب القيادة وحده في أنحاء السلطنة ويزور مناصريه من دون إبلاغهم مسبقاً".

يروي اسماعيل هذا النوع من القصص التي تنتشر عن السلطان على مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً: "في إحدى المرات، اقترض سيارة قديمة من قروي للتجول بها، وحين عاد أعطاه المال لشراء سيارة أفضل".

لكن لا يتكلم الجميع بهذه الإيجابية عن السلطان. يقول خير العظام، أستاذ لغة إنكليزية: "يعتبره الكثيرون منافقاً بسبب الشائعات عن حفلاته المتكررة التي تعجّ بالكحول والنساء الأجنبيات".

جسر ريباسفي العام 2017، تمّ افتتاح جسر "ريباس" الذي يربط بين "لوماباس" التي تحدّ "كامبونج آير" والعاصمة. من المنتظر أن يستمر هذا النمط من خطط تحسين البنى التحتية في العام 2020 عبر افتتاح جسر "تيمبورونغ" الذي يربط المنطقة المحيطة به بالعاصمة. يتوق الناس في هذه المقاطعة الأقل اكتظاظاً بالسكان إلى افتتاح هذا المشروع. منطقة "تيمبورونغ" معروفة بحديقتها الوطنية الأصلية التي تشمل القرود طويلة الأنف، والثعالب الطائرة، والأنهار المليئة بالتماسيح، والشلالات المتلألئة. مع افتتاح الجسر، سيصبح الوصول إلى "تيمبورونغ" من المطار الدولي أقل تعقيداً، ما يسمح بتحسين السياحة في المنطقة.بنظر الكثيرين، تشكّل سلسلة مشاريع البنى التحتية التي انتشرت في أنحاء السلطنة مؤشراً على اهتمام الحاكم بإرثه. يبلغ حسن البلقية اليوم 73 عاماً وقد يتنازل عن العرش قبل وفاته، كما فعل والده. يتولى ولي العهد المهتدي بالله منذ الآن أدواراً عدة في الحكومة استعداداً لاستلامه رئاسة بروناي.في الفترة الأخيرة، صُدِم المجتمع الدولي لدى سماعه بأن البلد فرض قانون الشريعة الإسلامية الذي يسمح بممارسات الرجم والبتر وعقوبات جسدية أخرى كعقاب على الزنى والمثلية الجنسية والسرقة.

لكن لا يفهم سكان بروناي العاديون هذا الموقف الشاجب. يقول شرطي من "تيمبورونغ": "القانون متساهل جداً. نحن مقتنعون بأن أحداً لن يُعاقَب بهذه الطريقة. لا نعرف من نصح السلطان بإقرار قانون مماثل، لكن يصعب تطبيق الشريعة على أي قضية لأن الأفعال الشائكة يجب أن يشهد عليها خمسة رجال يتمتعون بسمعة مثالية، وإلا يُطبَّق القانون العادي".

يظن البعض أن السلطان يريد توعية المجتمع عبر ذلك القانون، ولهذا السبب يشدد على هوية بروناي الإسلامية في خطاباته.الإسلام هو دين بروناي الرسمي، وتبلغ نسبة المسلمين في البلد 83%، وهو يشمل أيضاً طائفة سنية أقل تطرفاً تتقبل جزءاً من تقاليد ما قبل الإسلام. يقول خير العظام: "غالباً ما نسافر إلى ماليزيا لشراء الخمور والسجائر. في ما يخص التقاليد، يضع العريس والعروس مجوهرات من ذهب (يعتبرها عدد كبير من العلماء غير إسلامية) ويمارسون طقوساً مشتقة من الهندوسية".

ذكّر السلطان، في خطابه في أيار 2019، الحاضرين بتعليق عقوبة الإعدام في قضايا معينة بموجب القانون المدني، وأكد على تطبيق هذا القرار على قانون الشريعة أيضاً.

لكن تشعر الجماعة المسيحية في بروناي بالقلق رغم ذلك. في بعض الحالات، قد تنطبق الشريعة على غير المسلمين أيضاً.يقول جون وونغ، عضو في كنيسة محلية: "ما كان مجرّد ميثاق في السابق أصبح اليوم قانوناً مكتوباً. لقد مُنِعنا رسمياً من عرض زينة عيد الميلاد علناً، مع أن المسلمين يحتفلون به في منازلهم الخاصة باعتباره مهرجاناً تجارياً. مع ذلك، نحاول ألا نشعر بالإحباط. نصلّي جميعاً من أجل السلطان لكنه لا يزورنا مطلقاً. تسود هنا عقلية تمنع الناس من عض اليد التي تطعمهم. كذلك، لا تكثر الأحـــداث التي تؤجج عواطفنا".تعترف بروناي بسبع قبائل أصلية في دستورها. تعتنق تلك القبائل في معظمها الإسلام أو المسيحية، ومع ذلك ينتمي البعض حتى الآن إلى طائفة الأرواحية. تقول ناتاشا بودين: "نحن لا نتعرض للتمييز على أساس الدين أو الانتماء العرقي. ولهذا السبب نحب السلطان".

تنتمي بودين إلى قبيلة "إيبان" وتنحدر من عائلة لا تزال تقيم في منزل طويل. يشمل منزلها التقليدي شرفة طويلة جداً وضيقة ومغطاة مع عدد من الأبواب، حيث تقيم القرية كلها تحت سقف واحد.

تضيف بودين: "لا أحد يتعرض للتهميش. التعليم إلزامي ويعمل عدد كبير منا في مؤسسات الدولة. ولا داعي لنقول إن راتب الموظفين الحكوميين ممتاز. لكن يُطلَب منا العمل لساعات إضافية في مناسبات كثيرة ولا ترتبط المهام الموكلة إلينا بمهنتنا الأصلية. تجدر الإشارة أيضاً إلى عدم اختلاف الأجور بين الجنسيَن".تحتل بروناي مرتبة متقدمة على لوائح المساواة بين الجنسَين في مجالات التعليم والصحة ومشاركة المرأة في الاقتصاد.وبحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية للعام 2019، يُعتبر فساد بروناي الأقل مستوى في المنطقة بعد سنغافورة فقط.

لكن قد لا تدوم هذه الأوقات السعيدة إلى الأبد. لا شك في أن تقلبات أسعار النفط خلال السنوات الماضية أنذرت السلطان حول ضرورة تنويع الاقتصاد. ووفق "توقعات الطاقة العالمية"، تملك بروناي موارد هيدروكربون تكفيها طوال 15 سنة فقط، استناداً إلى وتيرة استخراجها راهناً.وإذا استُنــزِف هذا المورد المـالي بوتيرة تفوق التوقعـات، قد يضطر الحــاكم الأعلى لتقليص المنافــــع الاجتماعية الواسعة.أدت الأزمة المالية الآسيوية في العام 1997 إلى انهيار البلد وأجبرت الناس على تخفيض نفقاتهم، وقد اتّضح تدهور الوضع بالخطوات المستجدة في "جيرودونغ بارك"، أفخم مدينة ملاهي في المنطقة. بعدما كان المواطنون يحظون برعاية السلطان سابقاً، مُنِعوا فجأةً من الدخول إلى مدينة الملاهي هذه مجاناً.

اليوم، يشيد صندوق النقد الدولي بالبلد لأنه طبّق إصلاحات مالية واسعة. لكن يقال إن فائض العائدات في بروناي لا يُستثمَر حتى الآن في مجالات التطوير ونقل التكنولوجيا، بل يتركز معظمه في الخارج.رغم الاعتراف بأهمية التنويع في مختلف خطط التطوير التي وضعتها الحكومة، قد يؤدي غياب التدابير الصارمة لإصلاح الاقتصاد إلى زعزعة مكانة هذا البلد الثري قريباً. حتى أن ربط الدولار البروني بعملة سنغافورة قد يطرح مشكلة شائكة في المستقبل، إذا تراجعت احتياطيات البلد بدرجة كبيرة.

للحفاظ على مجتمعٍ عالي الدخل، يتعين على سكان بروناي أن يستعملوا روح المبادرة التي تبدو راهناً مكبّلة بسبب منافع الرعاية الاجتماعية. بعبارة أخرى، قد يكون الاتكال الحصري على طيبة السلطان ونظرته الصائبة كفيلاً بتدمير نوعية حياتهم على المدى الطويل.