فيلم Color Out of Space (لون من خارج الفضاء) للمخرج ريتشارد ستانلي الذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو، مقتبس من واحدة من أشهر القصص القصيرة التي كتبها هاورد فيليبس لافكرافت، ويتمحور حول عائلة "غاردنر" التي تركت حديثاً صخب المدينة لعيش حياة هادئة في منزل ريفي بعيد بالقرب من بحيرة تقع في أعماق غابات ماساتشوستس.
يريد الأب "ناثان" (نيكولاس كايج) أن يصبح مزارعاً ويربّي حيوانات الألبكة ("حيوان المستقبل")، مع أنه لا يتمتع بموهبة خاصة في أي من هذين النشاطَين. في المقابل، تنشغل زوجته "تيريزا" (جولي ريتشاردسون) بالتعافي من جراحة استئصال الثدي، ويتعاطى ابنهما الأكبر "بيني" (براندن ماير) المخدرات في معظم الأوقات، وتنزعج ابنتهما المراهِقة "لافينيا" (مادلاين آرثر) من انتقال العائلة، فتنغمس في الفنون السوداء عبر نسختها الورقية من كتاب The Necronomicon (الناكرونيكون)، ويضيع الابن الأصغر "جاك" (جوليان هيليارد) في هذه المعمعة كلها.
عائلة "غاردنر" ليست مجنونة أو عدائية بأي شكل، لكن سرعان ما يتّضح أن عزلة أفرادها بدأت تُفقدهم صوابهم.تتصاعد المظاهر الغريبة في إحدى الليالي، حين تصطبغ السماء بلون الفوشيا ويسقط نيزك في باحة منزلهم الأمامية.
سرعان ما يتفتت ذلك النيزك لكن تقع أحداث غريبة في المرحلة اللاحقة، فتزهر مجموعة جديدة وغير مسبوقة من الورود، وينضج محصول البندورة الذي زرعه "ناثان" قبل أسابيع من الوقت الاعتيادي، وتُشوّش موجات على أجهزة العائلة من هواتف وكمبيوتر وتلفزيون فتصبح غير قابلة للاستخدام.
ثم تتخذ سلوكيات أفراد العائلة منحىً غريباً: يتصرف "ناثان" بغرابة أكثر من المعتاد فيثور غضباً لأبسط سبب، وتقطع "تيريزا" المذهولة أطراف إصبعَيها أثناء تقطيع الجزر، ولا يكف "جاك" عن الصفير والتحديق ببئر يزعم أن "صديقه" فيها. بعد فترة قصيرة، يتحول كل شيء في المنطقة بطريقة لا يمكن وصفها. يدرك "بيني" و"لافينيا" ما يدور من حولهما، ومع ذلك يعجزان عن الهرب من قبضة الكائن المسؤول عن كل ما يحصل.

كانت قصص لافكرافت مصدر إلهام لعدد كبير من الأفلام على مر السنين، لكن لم يكن معظمها قيّماً بما يكفي. لكن ينجح Color Out of Space هذه المرة لأن ستانلي برع في تحويل النثر المستفيض إلى مصطلحات سينمائية.
تتّضح هذه النزعة في عنوان الفيلم مثلاً. لا تصف القصة الأصلية بالتفصيل طبيعة اللون الغريب، بل تذكر بكل بساطة أنه لون غير وارد على طيف الألوان النموذجية. لقد أثبت ستانلي أنه بمستوى هذا التحدي، فطبّق خطة جامحة تعكس نوايا لافكرافت الأصلية عبر إضفاء أجواء ماورائية صادقة. لكنه لا يقف عند هذا الحد، بل يطوّر المظاهر الغريبة بموسيقى تصويرية حيوية ومناسبة للجو العام، بما في ذلك أغنية مريبة لكولين ستيتسون. تُحوّل هذه الأغنية مظاهر الواقع عبر مصطلحات سمعية وتخلط بين أجواء الرعب التي تبدو أكثر تأثيراً من التحولات الجسدية المبهرة على الشاشة.
ينجح المخرج ستانلي في التحكم بعنصر مبهر آخر من الفيلم، وهو أداء نيكولاس كايج، فيدمجه بسلاسة مع محتوى العمل، من دون أن يخسر الفيلم طابعه الغريب. لا شك في أن التعاون بين كايج وستانلي سيعجب محبي الأفلام الغريبة ولن يخيّب هذا الفيلم آمالهم من هذه الناحية.
حين تتخذ الأحداث منحىً جنونياً في النصف الثاني من الفيلم، يشغّل كايج كامل قدراته لتقديم هذا الدور الغريب (حتى أنه يستعمل عشوائياً التشنج الصوتي الذي استخدمه قبل عقود في فيلم Vampire’s Kiss (قبلة مصاص الدماء). لكن بدل أن يظهر "ناثان" بصورة الرجل العادي الذي تنقلب شخصيته بشكلٍ جذري نتيجة الأحداث الغريبة، من المثير للاهتمام أن يكون منذ البداية غريب الأطوار بدرجة معينة، ولو بطريقة مُحبّبة. نتيجة أدائه في هذه المشاهد الأولى، يعود ويضفي طابعاً مؤثراً على الأحداث اللاحقة حين تخرج الأمـور عن السيطرة.
لكن تتعلق أبرز مشكلة في Color Out of Space بالمبالغات المطروحة على مر ساعتين كاملتين، إذ كان يسهل التخلي عن بعض عناصر الحبكة، لا سيما تلك التي تتعلق بالصفقات المشبوهة لعمدة البلدة (كوريانكا كيلشر).
مع ذلك، يبقى الفيلم في معظمه جريئاً وجامحاً، وهو من النوع الذي يشيد به محبو ستانلي وكايج والسينما الشعبية منذ الإعلان عن المشروع. يشكّل هذا الفيلم نسخة سينمائية ناجحة من قصة لافكرافت الأصلية وعملاً عالي الجودة حيث يصعب نسيان المناظر والأصوات المستعملة فيه. لذا من المتوقع أن يكسب هذا النوع من الأعمال السينمائية أهمية وشعبية متزايدة مع مرور الوقت.
نأمل في ألا يكون الفيلم آخر تعاون بين ستانلي وكايج، إذ نستحق أن نشاهد هذين الفنانَين الموهوبَين معاً في أعمال أخرى.