ريتا ابراهيم فريد

قصور القلب... تخطّي المرض بالأمل

7 دقائق للقراءة
حين يصاب القلب بمرض أو قصور أو ضعف في العضلة، يصبح مثل قطعة الكريستال يجب مداراته من أي خدش. قد يعيش الإنسان حينها في قلق دائم خوفاً من موت مفاجىئ. ربّما لن يحسب أيّامه، بل قد يمضيها فقط بانتظار الوصول الى توقيت معيّن، إذ سيكون على يقين بأنّ حياته سوف تنتهي في أيّة لحظة. لكن في المقابل، قد يواجه مرضه وينتصر عليه بشجاعة وأمل. 



التفاؤل يؤدي أهم دور في العلاج

معاناة الشاب خالد صليبي بدأت بأوجاع وضيق في التنفّس وتعب، حتّى تبيّن أنّه يعاني من ضعف شديد في عضلة القلب، أجبره على حمل حقيبة في داخلها جهاز يتمّ وصله الى القلب مباشرة، ويتراوح وزنها بين ثلاثة وأربعة كيلوغرامات. المرحلة التي مرّ بها كانت صعبة جداً، حيث كان ملزماً بتناول كميات كبيرة من الأدوية يومياً.

كما كان ممنوعاً من ممارسة الرياضة والقيام بأيّ مجهود، حتى أنّه لم يكن يستطيع أن يأخذ حمّاماً طبيعياً. ورغم كل ذلك، لم يفارقه الأمل يوماً، ولم يسمح لأيّ شيء بأن يؤثّر على حالته النفسية. حتى عندما كان يدخل الى المستشفى وأحياناً يفقد الوعي من شدة التعب، كان يضحك متحدّياً مرضه.

وفي هذا الإطار، يشير خالد في حديث لـ"نداء الوطن" الى أنّه خضع للعملية الأولى في لبنان، والتي وصلت كلفتها الى 300 ألف دولار أميركي، أجبرت عائلته على بيع الشقة التي كانوا يمتلكونها لتأمين قسم من المبلغ، فيما تأمّن القسم الباقي من خلال مساهمة الأهل والأصدقاء.

وبعد مرور سنتين، تبيّن أنّه بحاجة الى زراعة قلب. وبعد أن بذل والده مجهوداً جبّاراً لتأمين الكلفة والترتيبات، تمكّنوا من السفر الى إسبانيا لإجراء العملية الثانية. ويضيف أنه كان أحياناً يتلقى اتصالاً من المستشفى في منتصف الليل، يحتّم عليه الحضور فوراً لتحضيره للعملية. لكن أكثر من مرّة لم يكن القلب مناسباً ولم يتمكّن من استكمال الموضوع.

وهكذا أمضى ما يقارب التسعة أشهر، حتى أجرى عملية الزرع التي تكللت بالنجاح. واليوم يؤكّد خالد على أنّ حياته تغيّرت بشكل كبير جداً.

وبالرغم من أنّ الأوجاع لا تزال ترافقه بسبب الأدوية التي تخفّض المناعة والتي عليه أن يتناولها باستمرار، إلا أنّ جسده تغيّر. حتى تفكيره وحياته الاجتماعية تغيّرت، وبات باستطاعته أن يعمل الآن.

وهُنا يوجّه رسالة لكل من يعاني من أمراض في القلب ويقول: "هذا المرض لن يتمكّن من التغلب عليكم إلا في حال استسلمتم. طالما أنتم أقوياء ومتمسّكون بالأمل نحو الأفضل، فأنتم من سيغلب في النهاية.

وهذا المرض لا يمكن أن يعالج من خلال الدواء فقط، انّما النفسية السليمة والمتفائلة هي التي تلعب الدور الأهم في العلاج". ويختم بالقول: "طالما الأمل موجود، سيكون الشفاء أسرع".




أهمية وهب الأعضاء

أما الشاب أحمد دلباني فلا يزال ينتظر تأمين القلب المناسب للزرع. ورغم كل الأوجاع التي يمرّ بها، لا يكفّ عن المواجهة بابتسامته المحببة وهدوئه اللطيف. أحمد يشرح لـ»نداء الوطن» كيف تطوّرت حالته الصحية، مشيراً الى أنّه حين كان في سنّ الـ17 سنة، اكتشف الأطباء أنّه يعاني من ضعف في عضلة القلب.

تأزّمت حالته أكثر من مرة ولازم المستشفى لفترات عدة. وفيما لا يزال يحمل قلبه داخل حقيبة، يؤكّد على أنّ هذا الأمر لا يزعجه بقدر ما يزعجه التعب المتواصل الذي يشعر به، والذي يمنعه حتى من المشي، لا سيّما وأنّه كان في السابق شخصاً رياضياً، لكنّه اليوم ممنوع من ممارسة الرياضة والقيام بأيّ مجهود يذكر. هذا طبعاً عدا عن كهرباء القلب التي يعاني منها والتي تصيبه كلّ فترة.

لكنّ الأصعب من كل ذلك هو حالة التوتّر الدائمة التي كان يعيش فيها، ويقول «لم أكن أعرف متى سيتّصلون بي كي يخبروني بأنه حان وقت إجراء العملية».

أحمد اليوم موجود في إيطاليا لمتابعة علاجه بانتظار العثور على القلب المناسب. وهُنا ينوّه بأهمية مسألة وهب الأعضاء التي من شأنها أن تنقذ حياة الكثيرين. ويعبّر عن تفاؤله الدائم بالقول: «يجب أن يكون الانسان قنوعاً وراضياً بما كتبه الله له وهذا هو الأساس لتخطي المرض. ولا شيء يصعب على الله. كما أن الأمل بالشفاء يجب أن يبقى حاضراً»، ويؤكّد قائلا:»الله ما بيترك حدا».



ضرورة التشخيص والعلاج المبكّر

من جهته، يشرح اختصاصي أمراض القلب والشرايين وقسطرة القلب التداخلية الدكتور حمزة ناصر أنّ قصور القلب هو حالة مرضيّة يصبح فيها القلب عاجزاً عن ضخّ كميّة كافية من الدمّ لتلبية احتياجات الجسم.

ويشير في حديث لـ»نداء الوطن» الى أنّ هناك نوعين من قصور القلب: قصور القلب الأيمن (الجهة اليمنى من القلب) وقصور القلب الأيسر (الجهة اليسرى من القلب)، والثاني هو الأكثر شيوعاً.

وهذا النوع يقسم أيضاً الى ثلاثة أنواع أساسية: النوع الأول هو القصور الانبساطي، حيث تعمل عضلة القلب بشكل طبيعي، لكنّها تعجز عن استقبال كمّية كافية من الدم لضخّه. النوع الثاني حين يكون مستوى عمل عضلة القلب بحالة متوسّطة. النوع الثالث هو قصور القلب الانقباضي حين تعجز العضلة عن ضخّ الدم الى باقي أعضاء الجسم.

أمّا أسباب القصور فمتعددة، من بينها تعرّض المريض لأزمة قلبية، أو حين يكون لديه تصلّب مزمن في شرايين القلب، إرتفاع في ضغط الدم، مرض السكر، أمراض صمامات القلب. وتشخيص القصور يكون من خلال إجراء صورة صوتية للقلب.

وأضاف أنه حين تكون عضلة القلب ضعيفة، نصبح أمام أربعة مستويات لقصور القلب: في المرحلة الأولى يكون باستطاعة المريض أن يتابع حياته وواجباته اليومية بشكل طبيعي من دون أن يشعر بأيّة عوارض.

في المرحلة الثانية يبدأ بالشعور ببعض العوارض كضيق في التنفّس وتسارع في دقّات القلب وتورّم في القدمين، زيادة في الوزن، تعب مفرط، دوار، ألم في الصدر وانتفاخ في المعدة. في المرحلة الثالثة سيشعر المريض بتعب كبير عند القيام بأيّ مجهود حتى لو كان بسيطاً.

في المرحلة الرابعة تظهر العوارض نفسها، لكن من دون أن يقوم المريض بأيّ مجهود يُذكر. وأضاف الدكتور ناصر أنّه في كل هذه المراحل، يتوجّب على المريض أن يحصل على علاجه من خلال الأدوية، ولكن عندما يصل الى مرحلة يصبح فيها العلاج بالدواء من دون مفعول إيجابيّ، يمكن الحديث عن زراعة قلب، طبعاً في حال لم يكن المريض يعاني من أمراض أخرى.

وهنا لا بدّ أن يكون للمريض جسر عبور لهذه المرحلة، وهو ما يُطلق عليه تسمية القلب الصناعي (وهو عبارة عن آلة في حقيبة يحملها المريض، ويتمّ وصلها بالقلب).

ولفت الدكتور حمزة الى أنّ المركز المتخصص في زراعة القلب من شأنه أن يدرس وضع الأعضاء المؤهّلين للخضوع لعملية زراعة القلب، وسيكون على المريض أن يأخذ أدوية لمدى الحياة من أجل تخفيف المناعة، لكي لا يرفض جسمه القلب الجديد الذي ستتمّ زراعته.

وتابع: إن السنة الأولى التي تلي عملية زراعة القلب هي المرحلة الأكثر دقّة وخطورة لناحية إمكانيّة الفشل. لكن بعد مرور هذه السنة، ترتفع نسبة النجاح. و 85% من المرضى الذين يجتازون هذه السنة يكملون حياتهم بشكل طبيعي، وما يقارب الـ 60% يكملون حياتهم بشكل طبيعي بعد مرور خمس سنوات.

هذا وأكّد على أنّ التشخيص والعلاج المبكّر يساعدان المريض في أن يعيش فترة طويلة بشكل نشيط وبشكل صحي أكثر، ومن الممكن حتى لو كان قلبه ضعيفاً أن يبقى لمرحلة طويلة من دون الحاجة الى إجراء عملية الزرع.

وأشار الى أنه منذ حوالى أربع أو خمس سنوات بدأ الأطباء باستخدام أدوية جديدة تساعد في منع تدهور حالة عضلة القلب وتساهم في تحسين عملها الى حدّ ما. وتوجّه الدكتور ناصر بنصيحة الى كل الناس أن يهتمّوا بصحّتهم أكثر، مشدّداً على ضرورة المتابعة الدورية من خلال زيارة الطبيب وإجراء الفحوصات، لا سيّما التشخيص المبكّر لمرض السكري وللضغط، الذي يشكّل عاملاً مساعداً في التسبّب بقصور القلب.