حسان الزين

ما يُسجّل لـ "التجديديين" و"الإصلاحيين"

3 دقائق للقراءة

منذ انهارت السلطنة العثمانية، أو ما يسميه محمد باقر الصدر «سقوط الدولة الإسلامية صريعة بأيدي المستعمرين»، بدأ يتحوّل تناول الإسلام، لا سيما إذا سُئل عن «علاقته بالعصر» وحاجات المجتمعات والإنسان الآن، إلى مس بالدين والأمّة، وأحياناً بالذات الإلهية.

ولم يعد الإسلام هويّة فحسب، بل باتت قراءته خاضعة لظروف معركة الهوية ومحظوراتها لا لمتطلبات الواقع وضروراته.

شكّل ذلك ويشكّل عقدة مستعصية. ففيما تتخبّط المجتمعات في المنطقة العربية والإسلامية في ظروف سياسية واقتصادية وثقافية، وقد باتت محكومة بمعايير «التخلّف والتقدّم» التي فرضتها الرأسمالية العالمية، لا يبدو أن تجاوز الإسلام، كما فكّر كثيرون في القرن العشرين، أمراً واقعيّاً وقابلاً للتحقّق. فالإسلام دين راسخ وقوي، كما في الواقع والسياسة كذلك في العمق الثقافي والوجداني. فما بالك وقد بات هوية مجهّزة بمنظومة دفاعية كاملة مستعدة لـ»الاستشهاد في سبيل الله والدين والأمة».

فرض ذلك، ويفرض الآن، ليس ضرورة مغادرة «الإكراه» في التعامل مع الإسلام والمؤمنين به فحسب، بل ضرورة مقاربته من مسافة أقرب، ومن الداخل. وإلا لا خروج من الحلقة المغلقة للضدية التي تغذّيها أيديولوجية «صراع الحضارات» أو أيديولوجيات الأنظمة التي تتماهي بالإسلام أو تستخدمه وتفسّره وفق رؤياتها أو مصالحها، لكسب مشروعية من جهة أو لقمع «معارضة» من جهة أخرى.

إنطلاقاً من هذا، يمكن قراءة النتاج الفكري، في المنطقة العربية والإسلامية، المتعلّق بالإسلام والتراث و»العقل» وما إلى ذلك. كلّه تقريباً، خضع ويخضع لقياس المسافة بين المنتج الفكري (وصاحبه) والهوية الإسلامية. فالأمر يختلف في حال كان صاحب النتاج الفكري ضمن «الهوية» الإسلامية، أم كان من الخارج وفي الضد.

الهوية الإسلامية تسبق الدين الإسلامي، غالباً، لا سيما في المعارك التي لا ينفك المسلمون يعتبرون أنفسهم في أرضها وزمنها. وفيما تحرص القوى الناطقة باسم الإسلام على إبقاء المعركة معركة هوية، يقدّم النتاج الفكري الإسلامي «التجديدي» و»الإصلاحي» التحدّيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأسئلة الدينية باعتبارها أولوية.

لهذا، لا تبدو مهمّة «التجديديين» أو «الإصلاحيين» أهون من حال مَن خرجوا عن الإسلام أو الخارجيين بالنسبة إليه أصلاً. وقد واجه عددٌ كبيرٌ من هؤلاء صعوبات وتحدّيات وصل بعضها إلى التكفير وتحليل الدم. لا لأنهم تجرّأوا على «الدين» كما يدعي خصومهم، بل لأنهم قدّموا «التجديد» و «الإصلاح» وضرورات المجتمعات والإنسان على الأولويّات العقائدية والسياسية للناطقين باسم الدين. ووظيفة التكفير في هذه الحال هي إخراج «المُكفَّر» من الهوية.

لهذا، يُسجّل لـ»التجديديين» و»الإصلاحيين» من داخل الإسلام، ليس أنهم فكّروا واجتهدوا فحسب، (وما فعلوه خاضع للقراءة والنقد والتقييم)، إنما أنهم لم يتركوا الساحة لقراءة واحدة للإسلام، وأسهموا في الحفاظ على التنوّع (دعا بعضهم إلى الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية)، وأنهم امتلكوا القدرة على مخاطبة الجمهور المسلم الحذر تجاه مخاطبته من الخارج، والذي تحرص القوى الناطقة باسم الإسلام، في السلطة وخارجها، على الإمساك به.

وبالقدر نفسه، يُسجل لهؤلاء غنى النظرة من الداخل، حتى ولو استخدموا «عيوناً» (فلسفات ومناهج علمية...) مستوردة. ولا يمكن نسيان أنهم قدموا حاجات المجتمعات والإنسان، المادية منها والروحية، على أيديولوجيات الناطقين باسم الإسلام، الذين لا صوت يعلو فوق أصوات معاركهم من أجل الحكم.