لا نزال نحتفظ في الشرق بتراث نضاه الغرب أو يكاد. إنه المشاركة الجماعية الصادقة في المناسبات الخاصة وعلى رأسها الأحزان. حشد وداع امرأة فاضلة مؤخرًا اتسم بالمودة وصدق الشعور. لكن ما كان أبعد دلالة، بدا لي في عبثية ما يقرب من قرنين من محاولات مثقفي الأقليات في المجتمعات الإسلامية حيازة الاعتراف بمساواتهم في المواطنة.
جميع خيارات طليعة المثقفين المسيحيين خلال ما يزيد على القرن والنصف، التقت في فقيدتنا إذ هي امتداد نسب لمسيحيي حركة إصلاح كبرى في السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر. تلك كانت "التنظيمات" التي لم تؤت ثمارها والتي بدأها السلطان محمود الثاني وأضاف السلطان عبد المجيد إليها خاصة "مجلة الأحكام العدلية" التي كان ذراها النص في مبادئها الكلية "لا ينكر تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان". إذ بدلًا من تطويع التقدم الحضاري للنص الديني، طوّعت تلك العبارة النص الديني ليتماشى مع قيم كل عصر.
لم تنحصر الحداثة بالنخبة السياسية بل انسابت لتضم المثقفين، خاصة أولاد الأقليات الذين اتصلوا بالقيم العالمية عن طريق بعثات التعليم الغربية وكانوا عماد النهضة العربية بإدخال القيم الاجتماعية والفكرية والسياسية التي صنعت نهضة الغرب. من أبرز هؤلاء سلالة بدأت بفرح أنطون وشقيقته روز، فزوجها نقولا حداد، ثم امتد في من صاهرهم، إذ انحدر منهم ما يكاد يكون جميع الخيارات السياسية والفكرية والأكاديمية ذات الصلة بالأزمة الوجودية لأقليات الشرق.
تبدأ المسيرة بفكر فرح أنطون الليبرالي الذي تجلى في كتاباته عن ابن رشد وبلغ ذروته في حواراته الخطية مع الإمام محمد عبده طليعة المتنورين الإسلاميين. ليبرالية فرحأنطون كانت بتشديده على العقل كأداة لتطور المجتمع ورفعته على كل ما عداه. ليبرالية الشيخ عبده حدت به إلى الاعتراف بدور العقل لكنه أفسح مجالًا واسعًا لدور التشريع الديني.
روز انطون كانت طليعة المنادين بتحرير المرأة وإيلائها حقوقها ليس فقط عن طريق البث الظرفي بل أنشأت وحررت "سيدات ورجال"، أول مطبوعة دورية في الشرق نادت منذ العام 1905 بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل.
اما نقولا حداد، زوج روز، فتخطى الليبرالية وكان من أوائل من نشر الفكر الاشتراكي في العالم العربي وطعّم فكر المنطقة بأهم التطورات العلمية، "نظرية النسبية" وغيرها كونه كان ذا خلفية علمية.
الأجيال التي انحدرت بالدم أو المصاهرة من عائلتي انطون - حداد دفعت قدمًا بهذا الإرث. أحفادهم وأصهارهم في النصف الأول من القرن العشرين لعبوا ادوارًا متفاوتة، لكنها مهمة، في تطوير أو دعم الحركات الفكرية التحديثية. أهمهم، لا شك، هو شارل مالك الذي ليس من لا يقر بدوره في وضع الأساس الفلسفي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. في عداد هؤلاء شخصيات برزت بالعمل السياسي ما بين الحربين في إطار القومية العربية التي كانت في حينه ليبرالية وعلمانية مثلها الأعلى كان الملك فيصل الأول مؤسس العراق الحديث.
الجيل الثالث من تلك السلالة انضم إلى القيم السائدة عصرذاك، اليسار والعلمنة والحوار بين الأديان الذي نادى به المجمع الفاتيكاني الثاني.
ثم انفجرت أوضاع لبنان منذ 1975 ما حدا بالكثير منهم الى إعادة النظر في قناعتهم وانتهوا إلى ضرورة إسقاط الأوهام والالتزام بحلول دستورية سبقتنا اليها جميع الأقليات التي عانت، كما نعاني، من خطر الإبادة والاستئصال.
تقوم المجتمعات البشرية على التجاور بقصد التعاون. لكن التعاون لا ضمان فيه بل يمكن أن يتحول إلى استعلاء واستغلال وما يمكن أن ينتهي إليه من اقتتال وربما استئصال. أمران يحميان المجموعات: حماية العدد أو حماية القانون إذ أي مجموعة تخسر الحمايتين تنتهي، لا محالة إلى الفناء.
مسيحيو لبنان لا حماية عددية لهم خاصة بعد مرسوم التجنيس العام 1994 بقرار سوري نفذه عملاء سوريا في لبنان. ما من وصمة في تاريخ مسيحيي لبنان أشد عارًا من أن من ثلاثة تواقيع على ما سيؤدي إلى إنهاء الوجود المسيحي، تقف على توقيع مسيحيين، الياس الهراوي وبشارة مرهج. لا سابقة لأقلية تنهي وجودها بإرادة "ممثليها".
هل من حل لهذا التحدي الوجودي؟ حتما يوجد. هو حل بنيوي قانوني. حل بات اليوم ممكنًا، لا بل شائعًا، بعد تطور المفاهيم من "الداروينية" و "المدى الحيوي" إلى حقوق الاقليات التي يحميها واقع حديث مبني على مبدأ "الازدهار يقوم على التجانس" وليس على الامتدادات الجغرافية وحتى حيازة الموارد.
باعتمادنا هذا الحل نكون قد أوفينا حق ذاك الرعيل ممن سردنا اسماءهم وما يفوقهم بكثير عددًا من السابقين لنا الذين بذلوا حياتهم لتأمين عيش كريم محمي بالقانون لذرياتهم على أرضهم، وإلا كان الاقتلاع والانتشار والغربة والاندثار.