العربية تتراجع في لبنان، لكنها تنتعش في الخطاب السياسي، فتتجدد فيها الألفاظ والمعاني، ما يغني لسان العربية.
من هذه الالفاظ: المخارج، تدوير الزوايا، الرؤساء الثلاثة وغيرها.
الا ان من الالفاظ ما لا يتفق عليه اللبنانيون، كما ظهر في حادثة الجبل الدامية الاخيرة. هناك من اطلق على الفقيدَين اسم: الشهيد، والبعض: الضحية، والبعض الآخر: القتيل...
الاكيد هو ان الفقيد، عند اهله، او جماعته، او حزبه: شهيد... بالضرورة، حتى لو قضى في حادث سير... او كان تاجر مخدرات، وسقط قتيلا في مواجهة مع القوى الامنية "الرسمية".
قد يَعبُر "الشهداء" الجسر عينه ولكن في اتجاهَين مختلفَين: الذي هو في نظر اهله او جماعته او حزبه: شهيد، هو في عين غير اهله، او غير جماعته، او غير حزبه: خائن، عميل...
يَعبرون فلا يتخالطون، فيما يستمعون لفيروز كلهم، ويأكلون الكبة النية، ويطلقون الرصاص ابتهاجاً عند فوز ابنهم بالشهادة المتوسطة، وتُقدم نساء منهم على "ترويس" أنوفهن...
جبابرة ازاء بعضهم البعض، وصغار كَسَبة عند من يأتمرون بهم.
فكيف للمواطن ان يميز الخيط الاسود من الخيط الابيض في هذه المعمعة؟
هناك مؤشرات عديدة لتحديد من يكون فعلاً: المقاوم الحق، والوطني الحق، والسيادي الحق وغيرها من الصفات في دولة وفي وطن. الا انني اكتفي بمؤشر واحد بسيط وسهل: "المصلحة العامة" التي لها ان تجمع لبنانيين على اساس مشترك ونافع لهم.
المصلحة العامة هي تعريف السياسة في ابسط تعابيرها. اما ان ابحث عن وظيفة عند سياسي، وادفع بدلاً مالياً لقاء طلب رسمي، وأخاصم جاري أو العامل معي لانه ليس من طائفتي او من ميلي السياسي، واعلو بعلمِ بلدٍ غير بلدي... فهذه كلها مؤشرات مصلحة فئوية، لا عامة، ولا وطنية.
الاكيد هو انهم ماتوا، انهم يموتون، ولو اختلفت صفاتهم.
كانوا يموتون، ولا يتوانون عن الموت، حتى إن أعداد من ماتوا (كما قال موسى الصدر منذ سنوات بعيدة) برصاص الاهل يفوق اعداد من ماتوا برصاص العدو. الأكيد ان المقتلة مستمرة، ومعلنة، مثل فضيحة... وطنية، تجمع ولا تفرق.