رفيق خوري

حسابات جيوسياسية لرفض "التعاون مع الحتمي"

3 دقائق للقراءة

خيارات لبنان ضيقة. ولا وقت في الأزمة لشراء الوقت الذي تمارسه السلطة. ولا مجال، بعدما صار كل شيء مكشوفًا أمام الخارج قبل الداخل، للإستمرار في خداع النفس وخداع الآخرين. فالمسؤولون الذين أوصلونا إلى قعر الهاوية وضعونا أمام ما سماه تاليران "التعاون مع الحتمي": صندوق النقد الدولي. والذين يريدون توظيف الأزمة في خدمة "أجندتهم" يحاولون تقييدنا بما سماها المؤرخ الأميركي بوكوك "لحظة ماكياڤيللية" أشار إليها المؤرخ الفرنسي باتريك بوشرون في كتاب "ماكياڤيللي: فن تعليم الناس ماذا تخاف": "اللااستقرار يضع مستقبل الجمهورية في الدق". أمّا الخائفون على النموذج المالي والإقتصادي الذي جعل لبنان شركة تفلس ويزداد أصحابها ثراءً، فإنهم يمارسون معادلة: قليل من الإصلاح لمنع الكثير منه.

ولا مفاجأة في أن يرفض "حزب الله" "الخضوع في العلاج" لصندوق النقد الذي وضعه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بين "الأدوات الإستكبارية". ومنطق الرفض ليس مقتصراً على الموقف ضد "الخصخصة" و"الوصاية المالية الدولية" بمقدار ما يمتد إلى أبعد: خطوة إضافية في مسار جيوسياسي. فضلاً عن أن الرفض هو أيضاً موقف أطراف أخرى بعضها متحالف مع "حزب الله"، وبعضها الآخر متمسك بعقيدة إيديولوجية. وفضلاً أيضاً عن أنه لا طرف في لبنان لديه مشروع بالمعنى الإستراتيجي باستثناء "حزب الله". وهو بالطبع جزء من المشروع الأقليمي الإيراني الذي عنوانه "محور المقاومة"، أي مقاومة أميركا والإستكبار العالمي والعدو الإسرائيلي. ومن الطبيعي أن يكون العمل للمشروع على مراحل بينها التدرج في إخراج لبنان من تقاليده التاريخية في الإتكال المالي والإقتصادي على العرب والغرب، والإنفتاح السياسي والثقافي والإجتماعي على الفضاء الغربي.

لكن هذا الخيار، بصرف النظر عن النجاح أو الفشل في المشروع، يطرح على أصحابه أسئلة كبيرة. ما هو البديل، ما دام الكل يعرف أنه لا إنقاذ من الداخل، وأن الإنهيار واقع إن لم نضمن مساعدات خارجية؟ أي سيادة لبلد مفلس؟ هل السيادة مصانة ومحترمة من الداخل، حيث القرارات المصيرية خارج الدولة؟ ما العمل إذا كان المجتمع الدولي يعتبر أن "مفتاح" مساعداته عبور محطة إجبارية هي صندوق النقد؟ وماذا يعمل لنا حتى صندوق النقد إن لم تكن لدينا خطة حقيقية لمساعدتنا على أساسها؟

يقول الخبير الحائز جائزة نوبل في الإقتصاد جوزف ستغليتر: "لا إقتصاد ينجو وينجح من دون دولة قوية ناجحة، ومن خلال أكل الدولة فإن الرأسمالية تأكل نفسها". وليس أمامنا سوى أن نتعلم الدرس أو أن نستمر في الجدل العقيم وسط الإنهيار.