الياس دمّر

حين يصبح الصّمت رصاصة مدوّية

60 عامًا على أسطورة الويسترن "The Good, the Bad and the Ugly"

6 دقائق للقراءة

في الذكرى الستّين لصدوره، لا يزال فيلم المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني يتحدّى صورة البطل الغربي التقليدي، ويكشف عالمًا تختلط فيه البطولة بالعنف، الرجولة بالقوّة، والأخلاق بالمصلحة. ثمّة أفلام تنتمي إلى زمنها، وأخرى تنجح في الإفلات منه. فيلم "The Good, the Bad and the Ugly"، الذي أخرجه ليوني عام 1966، ينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية.

بعد ستّة عقود على ظهوره، لا يبدو الفيلم مجرّد تحفة من أفلام الويسترن الإيطالي، أو ما عُرف لاحقًا بـ "السباغيتي ويسترن"، بل عملا أعاد صياغة صورة الغرب الأميركي، وفكّك أسطورة البطولة التقليديّة، وأثبت أنّ السينما تستطيع أن تجعل من الصّمت والنّظرة والانتظار أحداثًا دراميّة قائمة بذاتها.

يتعامل ليوني مع الغرب بوصفه عالمًا منزوعًا من الأخلاق. لا أبطال مثاليّون هنا ولا حدود صلبة بين الخير والشر. هناك ثلاثة رجال تتقاطع طرقهم بحثًا عن ذهب مدفون: "Blondie"، الذي يؤدّيه كلينت إيستوود، و "Tuco"، بأداء إيلاي والاش، و "Angel Eyes"، الذي يؤدّيه لي فان كليف. حتى الألقاب التي يمنحها الفيلم لشخصيّاته تبدو أقرب إلى المُفارقة منها إلى التصنيف الأخلاقي. فالطيّب ليس قدّيسًا، والقبيح ليس مجرّد شخصيّة هزليّة، أمّا الشرّير فهو التجسيد الأكثر صراحة لعالم تحكمه القوّة والمصلحة. وقد لخّص سيرجيو ليوني نفسه هذه الفكرة حين أشار إلى أنّ الخير والشر والقبح يُمكن أن تجتمع بدرجات مختلفة داخل الإنسان الواحد. وهنا تكمن إحدى أفكار الفيلم الأكثر ذكاءً: الأخلاق ليست حقيقة ثابتة، بل موقف يتغيّر تبعًا للظرف والمصلحة. المال هو المُحرّك الفعلي للشخصيّات، بينما تأتي المبادئ في مرتبة لاحقة. لكنّ ليوني لا يُحوّل ذلك إلى موعظة أخلاقيّة، بل يترك الشخصيّات تتصرّف داخل هذا العالم الرمادي. ويترك للمُشاهد مهمّة اكتشاف حدود التعاطف معها.


دراسة في الرّجولة السينمائيّة

الشخصيّات الثلاث لا تتنافس على المال فقط، وإنّما على إثبات الذات. كلّ واحد منهم يمتلك صورة مختلفة للرّجولة: "Angel Eyes" يُجسّد الرّجولة القائمة على السّيطرة والبرودة والقسوة. "Tuco" يُجسّدها في شكل أكثر اندفاعًا وفوضويّة، حيث تختلط الكبرياء بالحساسيّة والانفعال. أمّا "Blondie" فيجمع بين الهدوء والذكاء والقدرة على المبادرة، ولذلك يبدو النموذج الأكثر اكتمالا في نظر الفيلم. هذه القراءة، التي تُركّز على اختلاف أشكال الرجولة بين الشخصيّات، تتقاطع مع تحليل آخر نضج عبر مشاهدتنا هذا الفيلم مرارًا خلال السّنين الماضية. نرى أنّ الرجال الثلاثة يتنافسون ليس فقط على الثروة، وإنّما أيضًا على المكانة والقدرة على إثبات الذات ضمن منظومة اجتماعيّة تُمجّد القوّة والاستقلال والمهارة.

لكنّ عبقريّة ليوني تكمن في أنه لا يُقدّم هذه الرجولة باعتبارها رمزيّة بطوليّة. إنّها رجولة قلقة، تحتاج باستمرار إلى الاختبار وإثبات التفوّق. لذلك يُصبح الغرب عنده مسرحًا دائمًا للمواجهة، وتصبح صورة الرجل مرتبطة بقدرته على التحكّم في نفسه وفي الآخرين. ثلاثة وجوه للقوّة: "Blondie" يفرض حضوره بالصّمت، و "Tuco" يخفي هشاشته خلف الصّخب والعنف، بينما يُجسّد "Angel Eyes" برودة الشر حين تتحوّل السّيطرة إلى لذّة. بينهم، يرسم ليوني عالمًا تتقاطع فيه الرجولة والخوف والسلطة. بذلك يتجاوز الفيلم صورة الشر التقليدي ليطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل تصبح القوّة، حين تنفصل عن أي رادع أخلاقي، شكلا من أشكال المرض الاجتماعي؟


قوّة الإخراج

الوجوه التي يُصوّرها ليوني في لقطات قريبة للغاية، والنظرات المتبادلة، والأيدي المُترقّبة، والمساحات الشاسعة التي تبدو فيها الشخصيّات صغيرة أمام الطبيعة، كلّها تجعل الصورة نفسها لغة سرديّة. المُخرج لا يستعجل الأحداث، بل يجعل الزمن جزءًا من التوتر. المُشاهد ينتظر، والشخصيّة كذلك، والكاميرا أيضًا. وحين يصل الانفجار الدرامي، يبدو كأنه نتيجة حتميّة لكل ذلك الصّمت. ويبلغ هذا الأسلوب ذروته في المواجهة النهائيّة داخل المقبرة.

هنا تتراجع الكلمات إلى الخلف، ويتقدّم المونتاج والموسيقى والوجوه. موسيقى إنيو موريكوني لا تعمل كخلفيّة للمشهد، بل كقوّة دراميّة مستقلّة، تصعد تدريجيًا مع تصاعد التوتر حتى يتحوّل المكان إلى مسرح أسطوري. ومن اللافت أنّ الفيلم، الذي يقوم في جوهره على مُطاردة المال، يمنح هذه المواجهة طابعًا احتفاليًّا يكاد يجعلها طقسًا سينمائيًّا.

حتى الحرب الأهليّة الأميركيّة، التي تُشكّل خلفيّة للأحداث، لا تظهر في الفيلم بوصفها ملحمة وطنيّة تقليديّة. على العكس، يكشف ليوني عبث الحرب من خلال الجنود الذين يموتون من أجل مواقع لا تبدو ذات قيمة حقيقيّة للشخصيّات الثلاث. وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، يصل "Blondie" و "Tuco" إلى منطقة تكشف كيف يمكن للحرب أن تتحوّل إلى آلة بيروقراطيّة تستنزف الشباب بلا معنى. لذلك يبدو قرار تفجير الجسر أكثر من مجرّد حدث في الحبكة. إنه موقف ساخر من منطق الحرب نفسه. وهنا تتضح إحدى مفارقات الفيلم الكبرى: ليوني ينتقد عالم العنف والجشع، لكنّه يُصوّره بجمال سينمائي آسر. لا يطلب من المُشاهد ببساطة أن يرفض هذا العالم، بل يُغريه بالنظر إليه. هذا التناقض هو جزء من قوّة الفيلم. نحن نعرف أنّ الشخصيّات تعيش وفق قانون القوّة والمصلحة، لكننا نجد أنفسنا مأخوذين بكاريزمتها وباللغة البصريّة التي تُحيط بها.

بعد 60 عامًا، لا يزال "The Good, the Bad and the Ugly" حيًّا لأنّه لم يُقدّم لنا غربًا مثاليًّا، ولا رجالا مثاليّين، ولا أخلاقًا جاهزة. لقد صنع عالمًا تختلط فيه البطولة بالانتهازيّة، والرجولة بالحاجة الدائمة إلى إثبات الذات، والحرب بالعبث، والجشع بالأسطورة. لهذا لا يعيش الفيلم في الذاكرة بوصفه قصّة ثلاثة رجال وكنز مدفون فحسب، بل بوصفه درسًا في صناعة الأسطورة السينمائيّة.

ستّة عقود مرّت، وما زال وجه "Blondie" الصّامت، وانفعالات "Tuco"، وبرودة "Angel Eyes"، وصحراء ليوني الشاسعة، وموسيقى موريكوني، تتّحد في سؤال واحد لا يزال صالحًا اليوم كما كان عام 1966: حين يُصبح عالم القوّة والمصلحة هو القاعدة، فماذا يبقى من "الطيّب" في الإنسان؟

الفيلم متوافر مجّانًا على منصّة "يوتيوب".


عينا القاتل